الموسيقار المصري الأرميني جورج كازازيان علامة فارقة في تاريخ الموسيقى المعاصرة، فهو الفنان الذي نجح في مزج روح الشرق بآلاته الشعبية مع فكر الموسيقى الغربية بتوزيعاتها الأوركسترالية. وفي احتفاء بمسيرته التي امتدت لعقود، يكرم مهرجان جمعية الفيلم في دورته الـ52 هذا المبدع الذي بدأت رحلته منذ سبعينات القرن الماضي.
النشأة والتكوين: عصامي التعليم والروح
ولد كازازيان في حي "غمرة" العريق بالقاهرة لأبوين من أرمينيا. ورغم بلوغه سن الثالثة والسبعين، لا يزال يتذكر بداياته الصعبة؛ حيث علّم نفسه بنفسه كفنان عصامي بعد أن رفضت أسرته رغبته في دراسة الموسيقى، مفضلةً له مسارات الطب أو الهندسة. هذا الشغف المبكر دفعه لترك دراسة العلوم بالجامعة الأمريكية والعودة من رحلاته في أوروبا ليستقر في مصر، متمسكاً بحلمه الفني.
السينما.. حين تتحول الموسيقى إلى صورة
لم تكن الموسيقى التصويرية هدف كازازيان الأول، لكن الصدفة قادته إليها ليبدع في وضع ألحان خلدت أعمال كبار المخرجين:
شادي عبد السلام: تألق معه في الأفلام الوثائقية مثل "الأهرام وما قبله" و"رمسيس الثاني".
علي بدرخان: قدم موسيقى فيلم "الجوع" المستوحاة من ملحمة الحرافيش لنجيب محفوظ.
محمد خان: وضع الموسيقى التصويرية لفيلمي "زوجة رجل مهم" و"فتاة المصنع".
كمال الشيخ: تعاون معه في فيلم الخيال العلمي "قاهر الزمن".
العود.. رحلة من الحرمان إلى الامتلاك
ارتبط كازازيان بآلة العود ارتباطاً وجدانياً عميقاً، متأثراً بعباقرة مثل فريد الأطرش ورياض السنباطي. ويُعرف في حفلاته بجلوسه المميز على الأرض محتضناً عوده، مما يمنحه شعوراً أكبر بالارتياح والاتصال بالموسيقى. ولعل المفارقة في حياته تكمن في أنه، تعويضاً عن سنوات طفولته التي لم يملك فيها آلة واحدة، بات يقتني اليوم 50 آلة عود.
مؤلفات جابت العالم
لم يحصر كازازيان نفسه في السينما، بل ركز جهده على التأليف الموسيقي المستقل، مسجلاً نحو 12 أسطوانة، من أبرزها:
سبيل: مستوحاة من أسبلة منطقة الجمالية التاريخية.
سجايا: التي تعبر عن خبايا النفس.
صاجات: التي وظف فيها الآلات الشعبية المصرية.
نيل سانجيت: عمل مشترك مع موسيقيين هنود قُدم في مصر والهند.
يأتي تكريم جورج كازازيان اليوم ليكون دعوة لمواصلة الإبداع، وللإفراج عن قرابة 15 أسطوانة أخرى لم ترَ النور بعد. إنه فنان استطاع إيجاد لغة عالمية بموسيقاه، محولاً الأنين والوجع إلى تسبيح فني يغسل الروح ويرتقي بالوجدان.