في زوايا الذاكرة البعيدة، حيث تختلط روائح الطفولة بأصواتها، يتردد صدى لحنٍ لا يزال يسكن وجداني حتى هذه اللحظة. كنت طفلاً صغيراً، لم تكن عيناي تدرك كنه الحياة بعد، لكن أذني كانت تلتقط جمالاً سماوياً من خلف شاشة التلفاز، وتحديداً من ذاك المسلسل الكرتوني الخالد "الليث الأبيض".
في ذلك الزمن الجميل، لم يكن المسلسل مجرد قصة كرتونية، بل كان بوابة سحرية نقلتني إلى قلب القارة السمراء عبر موسيقاها. أتذكر بوضوح تلك اللحظات التي كنت أجلس فيها مشدوهاً أمام الشاشة، أنتظر بفارغ الصبر بداية الأغنية التي لم تكن تشبه أي موسيقى أخرى سمعتها من قبل. لقد كانت أول أغنية أفريقية تلامس روحي، وتزرع في قلبي بذور عشق لا يذبل للموسيقى.
ما جعل تلك الأغنية استثنائية هو ذاك النسيج الموسيقي الراقي؛ حيث كانت الألحان تُعزف على آلات أفريقية ذات إيقاعات تنبض بالحياة، تمتزج مع الكلمات في تناغم لا يصدق. كان في طريقتها في طرح الأغنية رقيٌّ يجمع بين بساطة الطفل وعمق التراث. في ذلك العمر الغض، لم أكن أعلم حينها أنني كنت أستمع إلى مدرسة فنية قائمة بذاتها، لكنني اليوم أدرك أن تلك التجربة هي التي علمتني أسرار المقام الأفريقي الرائع، الذي يمزج بين الكلمة واللحن ليخرج لنا أجمل المقطوعات الموسيقية التي عرفها التاريخ.
لقد كانت تلك المغنية، بصوتها الذي يغرف من معين الشجن الأفريقي والفرح الصافي، هي معلمتي الأولى دون أن أدري. تعلمت منها أن الموسيقى ليست مجرد أصوات، بل هي لغة تتجاوز الحدود، وتعلمت منها كيف ينساب الإيقاع ليحكي حكايات الشعوب.
رغم مرور السنوات، لا تزال تلك الأغنية محفورة في ذاكرتي كوشمٍ لا يمحوه الزمن. إنها أكثر من مجرد أغنية كرتونية؛ إنها ذاكرة طفولة، ودرس في التذوق الموسيقي، وذكرى لأول مرة شعرت فيها أن هناك عالماً واسعاً وجميلاً في ألحان القارة الأفريقية. هي الحنين الذي يعود بي دائماً إلى تلك الغرفة الصغيرة، وإلى ذلك الإحساس بالدهشة الأولى، حيث كان كل شيء ممكناً، وكان اللحن هو الصديق الوحيد الذي لا يغيب عن ذاكرتي الى الان .
بقلم - احمد يوسف
