الفنان جبران مكحل (صوت جيزان الدافئ) حالة استثنائية في تاريخ الفن السعودي، ليس فقط لجمال صوته أو إتقانه للعزف، بل لقراره "النضالي" بالفن: البقاء في الأرض التي استلهم منها ألحانه .
بينما كانت جدة في الستينيات والسبعينيات والثمانينيات هي "هوليوود الشرق" بالنسبة للفنانين السعوديين، ومغناطيسًا يجذب المبدعين من كل حدب وصوب للبحث عن الشهرة وشركات الإنتاج، اختار مكحل أن يغرس جذوره في تراب جازان.
إليك كيف تحول جبران مكحل إلى أسطورة محلية وعربية من قلب منطقته:
1. الالتصاق بالهوية والأرض
في الوقت الذي رحل فيه فنانون كبار من أبناء منطقته إلى جدة والرياض بحثًا عن "الأضواء" والاعتراف الرسمي، آمن مكحل أن الخصوصية هي طريق العالمية. استمد ألحانه من إيقاعات "العرضة" و"الدلع" و"الزامل" الجازانية، ونقل تفاصيل الحياة اليومية في تهامة والجبل بصدق لم يستطع الفنان "المغترب" محاكاته بنفس القوة.
2. فلسفة "الفن للمكان"
لم يكن مكحل يبحث عن عقود مع شركات إنتاج كبرى بقدر ما كان يبحث عن صدى صوته في أزقة جازان ومزارعها. هذا الزهد في الأضواء الخارجية منحه كاريزما شعبية هائلة؛ فقد أصبح صوت الناس في أفراحهم وأتراحهم، مما جعل منه "رمزاً للصمود الثقافي".
3. التجديد من داخل التراث
استطاع مكحل أن يطوّر الأغنية الجازانية دون أن يمسخ هويتها. فبينما ذهب الآخرون لدمج الآلات الغربية وتطوير الموسيقى في استوديوهات جدة المتطورة، كان هو يطوع "العود" ليعطي رنات تشبه الروح التهامية، مما جعل فنه يبدو أصيلاً وغير مستورد.
4. كسر عدم الانتقال بالإبداع
رغم بقائه جغرافيًا في جازان، إلا أن صوته عبر الحدود عبر "الكاسيت". انتشرت تسجيلاته في اليمن والخليج، وأثبت أن المبدع الحقيقي هو من يجعل الجمهور يبحث عنه، لا من يركض خلف الجمهور. هذا "الغموض" والبعد عن المركز الفني زاد من هيبته وأسطوريته كفنان "مترفّع" عن بهرج الشهرة الزائف. نسال الله ان يطيل بعمره ويبقى نبراس للفن والابداع الأصيل .
بقلم - احمد يوسف