برغم أني أعلم أن أختي الكاتبة القديرة بدرية عيسى فوق الكلمات وأعلى مقاماً من حروف أجدها تتقازم عن بلوغ ما يخالج صدري فإنني ألتمس الإذن من أديبتنا لعلمي أنها لا تحب المدح والثناء ولكنني أكتب اليوم من باب الإنصاف وبعد تحليل دقيق لبعض نصوصها التي تميزت ببلاغة عربية رفيعة تصور مشاعرنا كبشر وأقول هنا بإيمان صادق للقارئ الكريم إن حرف بدرية عيسى حين يبدأ يبدأ معه القلب بالإنصات فلا تحتاج إلى مقدمات لتساق إليها بل تأخذك من أول نبضة إلى قلب المعنى وتتركك هناك أسيراً لصدق لا يتكلف عبر صور جمالية تقف أمامها الكلمات لمعان واسعة وسطور تزن مقالات كاملة تضع حداً فاصلاً بين اللبس والالتباس العاطفي
رسائل الانتظار وبلاغة الوجع الطاهر
يبدأ الإبحار مع أدب بدرية عيسى حيث يبدأ الوجع الطاهر النقي في رسائل الانتظار لتجد نفسك أمام حب عذري لم يعلم حين تقول أحببتك بطريقة لم أتعلمها من أحد كأنني خلقت لأفهمك وهنا يصعد بك البيان من العاطفة إلى القدر ويمنح النص نفسا غنائيا يجرف القارئ ثم يجيء التشبيه البليغ ليحول الفهم إلى غاية وجود وما إن تستقر في هذا المقام حتى تضربك المقابلة القاتلة في قولها لكنك لم تأت ولم تضق بك كما ضاقت بي وهنا يتجلى قليل من اللفظ وكثير من النزف الذي يكمل القارئ نقصه من واقع تجربته الشخصية لتتحول الخاطرة إلى مرآة حية تعكس النفوس
ومن هذه الشدة العاطفية تنتقل بنا الكاتبة بسلاسة إلى حكمة مختصرة لا تزيد على سطر واحد لكنها تزن مقالاً كاملاً حين تكتب لا تأخذون لطافة الناس على محمل الحب وفي هذه اللحظة الواحدة تفك الاشتباكات وتفرق بين الخلق والهوى وهذا هو الإيجاز الساحر الذي ورثته عن بلاغة العرب الأولى لفظ قليل ومعنى واسع وأثر لا يمحى حيث تتنقل من سعة الوجع إلى دقة الميزان بلا فجوة لأن القلم يعرف تماماً أين يضع قدمه
هندسة الشوق ومعمار اللغة
ثم تعود بنا الأديبة الفاضلة إلى ملف الانتظار لكنها لا تعيده كما كان بل تقلب المعنى باستدراك بليغ في رسائل الانتظار قائلة أنتظرك لا كمن ينتظر بل كمن يعيش على احتمال اللقاء فيتحول السكون إلى حركة والموت المؤجل إلى حياة ترتب كل يوم وتأتي استعارة أعيد ترتيب قلبي لتصنع صورة بصرية ملموسة تحرك للقلب حركة ونبضا مستجدا يرفع حرفها إلى منزلة الثبات والصدق دون تصريح ثم تتوج النص بتشبيه رفيع كأنك وعد لا يخلف نفسه فإذا بالشوق هندسة وإذا باللغة معمار مستقيم يسكنه المتلقي
وهكذا تمضي مع هذا القلم البارع فتدرك أن ما يجذبك ليس المفاجأة بل الإتقان والتمكين النفسي الذي نبع بلا شك من أسرة علمية وبيت علم عريق فهي ترسم المشاعر من واقع الناس وأحاسيسهم وخيالها لا يهرب من الواقع بل يمكنها من بلوغ جودة تجعل القارئ يرى نفسه في السطر قبل أن ينطق به وتوجز فتغني لأنها تملك سر جوامع الكلم فتعطيك المعنى كاملاً بأقل جهد وأعمق أثر وتستمر بإخلاص وسمو خلق وعلم بإدارة الحرف فلا يكون القلم عندها ومضة عابرة بل مشروعاً حياً يتابع ويثمر بكل جديد نافع
من وجدان العاطفة إلى أمانة التاريخ
ولأنها آمنت بأن الحرف أمانة رسالية فقد وظفت براعتها ويراعها في سير أعلام منطقة جازان فلحقت بالركب المتقدم بل تجاوزت بكثير من كتاب التاريخ بسلاسة البيان ودقة الوقوف على مفاصل حياة الشخصيات تقرأ لها فتلهف للنهاية بشوق وشغف وتخرج وأنت موقن أنك أمام قامة فكرية يشار إليها بالبنان وستقف عندها الأجيال القادمة بلهفة لاستقراء درر قلمها السيال الذي وصل إلى مستوى الرواد بل تجاوزه باستمراريته وتجدده
فهنيئاً لجازان منبع الأصالة بابنتها البارة وهنيئاً لوطن معطاء أعد وأخرج أمثالها فهذا القلم ليس واعداً فحسب بل هو قلم مسيطر بالاستمرار والبلاغة وحس المواطنة المخلصة ولله در بطن حملت أمثالك ليستنير الوجود بحرف يحرك المشاعر ويفتح نوافذ القلوب ويكون متنفساً حقيقياً نتعايش معه ونتغاضى به عن هموم الحياة
خاتمة ثناء ودعاء
وأختم بالثناء لله عز وجل فاللهم لك الحمد كما ينبغي لجلال وجهك وعظيم سلطانك أنت الذي وهبت البيان وعلمت الإنسان ما لم يعلم اللهم اجعل حروف أختنا بدرية شاهدة لها لا عليها وارزقها الإخلاص والقبول وانفع بها في الدنيا والآخرة فما خط لله نما وما خرج من قلب حي أحيا غيره وأسأل ربي من الأعماق أن يمكن لها ولكل مبدع مخلص وأن ينير حياتهم كما ينيرون هم الوجود في مجتمعاتهم وأوطانهم وتقبلوا تحية إجلال واعتزاز متواضعة ختاماً لهذا القلم المتميز
بقلم الدكتور - أحمد بن محمد ناصر المدير جازان
