استهواني مساءَ الليلةِ ما سطّرتْه الكاتبةُ الفاضلةُ صباح العمري في تغريدتِها، إذ قالت:
"لو خُيّرتُ لاخترتُ أن يكونَ الإنسانُ حنونًا قبلَ أن يكونَ مُحبًّا، فالحُبُّ قد ينضُبُ أو يقلُّ معَ الأيامِ، أمّا الحِنّيةُ فتُلازمُ صاحبَها للأبد."
ووقفتُ عندَ هذا القولِ وقفةَ متأمّل، فإذا وجدتُ للكلامِ متّسعاً، كتبتُ هذه المداخلةَ المسائيةَ خاطرةً تُمسّي على الوجودِ باسمِ الحُبِّ والحِنّية، وهما ما اجتمعتْ معانيهما في كلمةِ المودة التي فَسّرَ بها علماءُ التفسيرِ قوله تعالى: {وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً}، وأجمعوا أنّها أعلى درجاتِ الحُبِّ المقترنِ بالسكنِ والرحمةِ والرفق.
لعلَّ الحُبَّ شُعلةٌ تخطفُ البصرَ فجأةً، تُضيءُ الدنيا في عينِ صاحبِها ثم تخبو رويداً رويداً تحتَ وطأةِ الأيامِ وثِقَلِ الخلافِ وغُبارِ البُعد. أمّا الحِنّيةُ فدفءٌ لا ينطفئ، ونسغٌ خفيٌّ يجري في عروقِ العلاقاتِ فلا تذبلُ وإن طالَ الجفاء.
الحُبُّ يسألُ بلسانِ الحاجةِ: "ماذا منحتَني؟" والحِنّيةُ تسألُ بلسانِ العطاءِ: "ما الذي ينقصُك فأتمّهُ لك دونَ منٍّ ولا طلب؟"الحُبُّ قد يُدهشُكَ بهديّةٍ ثمينةٍ في موسمٍ عابر، والحِنّيةُ تُدهشُكَ بيدٍ تُسندُكَ حينَ تميل، وبكلمةٍ تربتُ على قلبِكَ حينَ يثقلُ عليكَ الهمُّ، وبصمتٍ يفهمُكَ أكثرَ من ألفِ عبارة.من أجلِ ذلكَ أقولُها بيقينٍ راسخٍ لا يتزعزع: إنْ أردتَ أن تبنيَ بيتاً لا تهزّهُ عواصفُ الزمن، فأسِّسْهُ على الحِنّيةِ قبلَ أن تُزيّنهُ بالحُب.
فالحُبُّ قد ينضُبُ ويقلُّ، ويتحوّلُ إلى ذكرى أو عادةٍ باهتة، أمّا الحِنّيةُ فخلُقٌ لازمٌ لصاحبِها، يُلازمُهُ في القولِ والفعلِ، في الحضورِ والغياب، ويبقيهِ حيّاً في قلوبِ الناسِ حتى بعدَ الرحيل.فما أجملَ أن يكونَ الإنسانُ حنوناً…لأنّ الحنونَ لا يُفقدُ أحداً، حتّى من يرحلونَ عنه، يبقونَ دافئينَ في ظلِّ ذكراه.
بقلم أحمد المدير – أبو ضي ونور