وصف المدون

.bigmag-post-author { display: none; }
صحيفة متجددة

الشرق العربي

آخر المقالات
الصفحة الرئيسية لميعة عباس عمارة.. الشاعرة التي نازلت "الذكور" واستردت أنوثة القصيدة

لميعة عباس عمارة.. الشاعرة التي نازلت "الذكور" واستردت أنوثة القصيدة

 بين رنين الحروف في الأسماع، ووقع خطاها في القلوب، تمشي الشاعرة العراقية الراحلة لميعة عباس عمارة في ذاكرة الشعر العربي المعاصر كأيقونة فريدة؛ لم تكن يوماً شاعرة مغمورة تنشد الضوء، بل كان الضوء يشعّ من اسمها المشتق من اللمعان. خمس سنوات مرت على رحيلها، ولا تزال ديباجتها الأنيقة، وسمرتها الجذابة، وإلقاؤها المسرحي، تفرض حضوراً طاغياً يتجاوز حدود الزمن، ليعيد تعريف حضور المرأة في المشهد الإبداعي كقوة نديّة ومنازِلة لغوية بارعة.

السياب ولميعة: جدلية العشق والشك وعقدة "التنقيب الفضولي"

لطالما حوصرت تجربة لميعة عباس عمارة في أروقة الدراسة بـ "دار المعلمين العليا" في بغداد أواخر أربعينات القرن المنصرم، حيث كانت قبلة أنظار الشعراء. ولعل علاقتها ببدر شاكر السياب كانت الأكثر التباساً وشهرة؛ فالسياب، المحمل بالوحشة والعوز والافتقار إلى الحب، جعل منها ملهمته السمراء، وهو يرقد مريضاً في لندن مناجياً:

ذكرتكِ يا لميعة والدجى ثلجٌ وأمطارُ ذكرتُ الطلعة السمراءْ

لكن لميعة، بذات الكبرياء والوضوح، لم تجافِ الحقيقة حين أكدت أن العلاقة لم تتعدَّ حدود الإعجاب المتبادل بالموهبة المتوقدة، ورغبتها كأنثى في أن يحاورها كشاعر من موقع الند للند. تجسد هذا الخلل والتباين بين فتاة "مغناج" محبة للمرح، وشاعر رومانسي منكفئ على حزنه، في محاوراتهما الشعرية؛ فحين كتبت له في "نشيد اللقاء" (1948) واعدة بهوى ممتد حتى انهيار الضلوع، جابهها السياب بنبرة ساخرة ومريرة: "سأهواك، ما أكذب العاشقينْ".

المؤسف أن هذا الالتباس تحول لدى بعض الدارسين إلى عبء، حيث انشغلوا بالتنقيب الفضولي في تفاصيل تلك العلاقة، متناسين الالتفات النقدي الحقيقي لنتاجها الإبداعي المستقل.

النضارة المبكرة والجذل الكرنفالي بالوجدان

بدأت موهبة لميعة باكراً في سن الرابعة عشرة، حين لمح عبقريتها الشاعر إيليا أبو ماضي ونشر لها في جريدته "السمير"، متنبئاً بمستقبل واعد. تميزت قصائدها الأولى بامتلاك تام لناصية الأوزان والإيقاعات، خليلية كانت أم تفعيلية، مع نضارة لغوية ورشاقة أسلوبية لافتة.

وفي زمن كان يعج بالمناخات المأساوية والانكسارات، اختارت لميعة "الجذل الكرنفالي" بالحياة، والانتشاء بالذات، والثمل النرجسي بصورتها في المرايا. وبوصفها ابنة حضارة موغلة في القدم، تنتمي لديانة تحتفي بالماء والخضرة، تماهت مع الرموز الخصبة لبلاد الرافدين، معتبرة نفسها الوريثة الشرعية لآلهة الإناث، وهو ما تجلى في مجموعتيها "عودة الربيع" و"أغاني عشتار"، حيث تقول متحدية بالحب والوجود:

فاحتضنْ أيَّهنّ شئتَ تجدْني أنا كلُّ النساء طوع يمينكْ

منازلة الفحولة واسترداد الجسد لغوياً

لم تكتفِ لميعة بالبوح العاطفي، بل دخلت ساحة اللغة الذكورية لمنازلتها بأدواتها ذاتها من جزالة وبلاغة محكمة، مستردة حق المرأة في الإفصاح عن النوازع الجسدية التي ظلت حكراً على الرجال لقرون. ومع ذلك، لم تفقد طراوتها الأنثوية وشغفها القلبي، كما في قصيدتها "قبلة":

تمتصُّ قبلتُهُ روحي على شفتي فتستحيل عظامي خيطَ كتّانِ

هذه الشجاعة في اقتحام المحظورات وضعت لميعة كامتداد لجداتها المغامرات كليلى الأخيلية وولادة بنت المستكفي. وفي حين بدت في بعض جوانبها كـ "مساجل أنثوي" لنزار قباني، شاركته في رشاقة اللغة ودينامية الأسلوب ووضوح القصد.

ثنائية المشافهة والغناء.. والمقايضة العكسية مع نازك الملائكة

رغم جرأتها العالية في انتهاك المحظورات الاجتماعية، لم تبحث لميعة عن الأسئلة الماورائية أو ارتياد المناطق المعتمة للنفس الإنسانية، انطلاقاً من قناعتها بأن الشعر أقرب إلى "الغناء" والبهجة والاتصال بالآخرين منه إلى إنتاج المعرفة والفكر التي تركتها للفلاسفة. لقد رأت الشعر بوصفه إقامة في الناحية المضيئة من الأشياء، فمزجت بين لغة الكتابة والمشافهة، والهمس الفردي والجهر المنبري، لتلتقي في ذلك مع تيار واسع من الشعراء المنبريين كالجواهري وبدوي الجبل وسعيد عقل.

وعند مقارنتها بـ "نازك الملائكة"، نجد مقايضة متعاكسة ومثيرة بين الشاعرتين:

  • نازك الملائكة: ذهبت بعيداً في تحرير الشعر من القيود ومكابدة الأعماق والتجديد الرؤيوي، لكنها مهادنة اجتماعياً، وارتضت التعايش مع تقاليد مجتمعها المحافظ متخففة من أي نزوع جسدي.

  • لميعة عباس عمارة: امتلكت شجاعة اقتحام المحظورات المجتمعية والبوح الجسدي، لكنها ظلت محافظة في إطار المغامرة التجديدية للشعر، متمسكة بضجيج اللغة وجماليات الأسلوب الكلاسيكي والتفعيلي دون التوغل في الحداثة الرؤيوية المعقدة.

رحلت لميعة عباس عمارة، لكنها تركت وراءها درساً في الشجاعة الإبداعية، مؤكدة أن صوت المرأة في الشعر ليس مجرد صدى لعاطفة عابرة، بل هو شريك في صياغة الجمال، ومنازل جسور في ميدان الكلمة.


بقلم - احمديوسف

إعلان أول الموضوع

إعلان وسط الموضوع

إعلان أخر الموضوع