قرأتُ مقال الأديب الكبير الأستاذ أحمد عبدالغفور عطار المنشور بمجلة "المنهل" عام 2001م، تحت عنوان "أدبنا المعاصر"، فوجدتُ فيه ظلماً صريحاً، وعيناً ناقدة، وغيرةً صادقة على الأدب. وقد بدأ الأستاذ باعترافٍ مهم: "أما عندنا أدب فذلك لا شك فيه"!!!
ولكنه عاد فقيّد هذا الاعتراف بحكمٍ قاسٍ: "إلا أن ما يستحق أن يُطلق عليه لفظ أدب قليلٌ جداً... لا يعدو أصابع اليد الواحدة".!!!!!
ومن هنا تبدأ المخالفة. فاحترامُي لجرأة الأستاذ لا يمنعني مناقشته، فالأدب حوارٌ لا محاكمة، واختلافُ الرأي فيه يُثريه ولا يُنقصه.
"القليل" ميزانٌ نسبيّ، لا حكمٌ مطلق مع نراه ونشهده محليا مع التكنولوجيا التقنية برز الأدباء والمبدعين بل قنوات الادب والثقافة بوجه خاص
حين يحكم الناقد على أدب أمّةٍ بأكملها بـ"القلّة"، فهو يقيس بميزانٍ خفيّ. فما هو معيار "الكثير" عنده؟ هل هو عدد الصفحات، أم عراقة السنين، أم مطابقته لنموذجٍ أدبيٍّ معيّن؟
الأدبُ السعودي المعاصر -يا أستاذي- لم يخرج من رحم حضارةٍ أدبيةٍ عمرها ألف عام كأدب المشرق، بل نشأ في بيئةٍ صحراويةٍ قاسية، حوّلت قسوة العيش إلى بلاغة، وشظف العيش إلى حكمة. فإذا كان نتاجه "قليلاً" قياساً بعمره القصير، فهو في الحقيقة "غزيرٌ" قياساً بظروفه.وستحدث عن العصر المعاصر من عهد الملك عبدالعزيز يرحمه الله إلى عصر خادم الحرمين الملك سلمان بن عبدالعزيز ثورة ثقافية هائلة وأدبية على وجه الخصوص
إنّ الحكم على غرسٍ لم يبلغ العشرين عاماً بأنّه "غير مثمر" ظلمٌ للغرس، وجهلٌ بسُنن الزرع. فلكل أدبٍ طفولته، وشبابه، وكهولته. وأدبنا كان لا يزال في ريعان شبابه عام 2001م.
شواهد النضج لا تُنكر: من الموهبة إلى المؤسسة انّ من يتابع الحركة الثقافية في المملكة العربية السعودية منذ عهد المؤس الملك عبدالعزيز -يرحمه الله- إلى عهد خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز-حفظه الله-، لا يصاب فقط بالذهول، بل باليقين بأنّنا أمام "ثورةٍ ثقافيةٍ" لا "يسيرٍ محددودة بعدداصابع اليد-
هناك المؤسسة الحاضنة:لعلنا نتفق لم يعد الأدب السعودي عملاً فردياً. لقد تكفّلت به الدولة فأنشأت مكتبة الملك فهد الوطنية، ودار الملك عبدالعزيز، ومركز الملك فيصل للبحوث، ومراكز الملك فهد الثقافية، والمكتبات العامة التي غطّت كل شبرٍ من الوطن. هذه ليست "صقالة موهبة" فحسب، بل هي مصانع للفكر والأدب.
والنوادي والأندية : أكثر من 16 نادياً أدبياً منتشرة من جازان إلى الجوف، تُقيم الأمسيات، وتطبع الدواوين، وتحتضن الأقلام الجديدة. أليس هذا ردّاً عملياً على "أصابع اليد الواحدة"؟
والأديب السعودي الحضور العربي والعالمي شعراؤنا يعتّلون منابر المربد وعكاظ، وروائيّونا تُترجم أعمالهم وتُدرّس، وكتّابنا يفوزون بجوائز عربية مرموقة. هل هذا "يسيرٌ لا يدل على نضج"؟ بل هو عين النضج والاستواء.
جازان شاهدٌ لا يُكذّب
وحتى لا يبقى الكلام نظرياً، دعني أستشهد بما قاله المؤرّخ الأديب: الأستاذ حجاب بن يحيى الحازمي -رحمه الله- في كتيّبه عن "الحركة الأدبية والثقافية في منطقة جازان"من عهد الموسي إلى عهد الملك فهد. رحمهما الله جميعا
إذا كانت منطقةٌ واحدةٌ من مناطق المملكة قدّمت هذا الزخم من الشعراء والقاصّين والنقّاد خلال عقدين فقط، فما بالك ببقية المناطق؟
إنّ ما سمّاه الأستاذ عطار "موهبةً أكثر من نضج" في كل مناطق المملكة العربية السعودية و في جازان،خاصة قد تحوّل اليوم إلى "مدرسةٍ أدبيةٍ" لها صوتها المميّز في المشهد السعودي والعربي.
خاتمة : إلى لقاءٍ مع مع الجزاء الثاني سنواصل باذن الله
أختم هذا الجزء بأن لنا رحلة لأجزاء باذن الله في إجازة هذالعام لنقلّب سجلّات الإبداع السعودي اسماً اسماً، وعملاق عملاقا في الادب فالأدب لا يُحكم عليه بجملةٍ اعتراضية، بل يُقاس بمتنٍ من الشواهد.أدبنا ليس "قليلاً"، بل هو "مُزهرٌ في وقته". وما كان قليلاً في عينٍ عام 2001م، قد يكون كثيراً في ميزان 2026م، لأنّ الزمن كفيلٌ بإظهار النضج الذي لم تدركه العين المستعجلة.
والله الهادي إلى سواء السبيل.
أحمدبن محمد ناصر المدير - جازان