في رحاب القرآن الكريم، لم يكن ذكر "الشعراء" في سورة تحمل اسمهم مجرد إشارة عابرة، بل كان تجسيداً لقوة الكلمة وتأثيرها العظيم في توجيه الوجدان البشري. إنَّ مكانة الشاعر في الثقافة الإسلامية والعربية نابعة من كونه "لسان التاريخ والجمال" ومستودع الحكمة.
الشاعر.. بين المسؤولية والرسالة
لقد وضع القرآن الكريم في سورة الشعراء معياراً دقيقاً وميزاناً أخلاقياً للكلمة، حيث فرّق بين من يتخبط في أودية الوهم ومن يستمد شعره من نور الحق والحكمةوالجمال . إن مكانة الشاعر الحقيقية تتلخص في النقاط التالية:
حارس القيم: الشاعر هو الذي يوثق قيم المجتمع ويدافع عن الفضيلة ويبحث عن الجمال في كل مواطنه وجنباته . إن الكلمة التي لا تحمل هدفاً أو لا ترفع شأناً أو لا تضمد جرحاً، تظل خارج دائرة الإبداع المسؤول .
المؤثر في الوجدان: الشعر هو الأداة الأسرع وصولاً إلى القلوب. ومكانة الشاعر تأتي من قدرته على "تغيير المشاعر"؛ فبيتٌ من الشعر قد ينهي خصومة، وقصيدةٌ قد تحرك أمةً نحو الإصلاح وقصيدة قد تعيد الحبيب الى من احبه .
سجل التاريخ الحي: الشعراء هم الذين خلدوا أمجاد العرب وحفظوا أيامهم من خلال اشعارهم الراقية . ومكانة الشاعر التاريخية جعلته شاهداً على عصره، يوثق الأحداث العابرة والعاطفية بلسان البلاغة.
التكريم الإلهي للكلمة الرفيعة
الاستثناء الذي ذكره الله في نهاية سورة الشعراء: {إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَذَكَرُوا اللَّهَ كَثِيرًا وَانتَصَرُوا مِن بَعْدِ مَا ظُلِمُوا}، يحدد بوضوح "الفئة النخبوية" من الشعراء. إنهم أولئك الذين جعلوا من أقلامهم منبراً للحق والمحبة ، فاستحقوا بذلك مكانةً لا يطالها غيرهم .
فالشاعر الذي ينتصر للحق والجمال ، والذي يجعل من شعره صوتاً للعبور الى الرقي ، ليس مجرد فنان، بل هو "صاحب رسالة". ومكانته ليست في التصفيق أو الشهرة، بل في محبته والبصمة الأخلاقية التي يتركها في عقول القراء .
الشاعر كمهندس للوعي
إنَّ عظمة الشاعر تكمن في قدرته على تحويل التجربة الإنسانية المرهقة إلى "جمالٍ محصن". الشعراء في نظر القرآن هم أصحاب "رؤية"، والشاعر الذي يذكر الله كثيراً هو الذي تفيض كلماته بالسكينة والصدق والمحبة ، مما يجعله في مقدمة صفوف البنائين للمجتمع الراقي المحب للخير وبناء امته .
بقلم - احمد يوسف
