في لحظات الصفاء، قد يشدنا تغريد عصفورٍ عند الفجر، أو تأسرنا نغمةٌ موسيقية عابرة تداعب أوتار الذاكرة، لكنَّ هذه المشاعر تظلُّ طيوفاً عابرة ما لم تجد لها مرسىً في "الكلمة". فالموسيقى -بقدر سحرها- تظل هيكلاً فارغاً ينتظر الروح، والشاعر هو ذاك النافخ للروح في جسد الفن، هو ذلك المرهق الذي يعتصر قلبه ليقطر شعراً يمنح للنغم قيمته، وللجمال ديمومته.
الكلمة.. بذرة الطرب الأولى
لطالما كان الشعر العربي العمود الفقري الذي قامت عليه حضارة الطرب. إنَّ المغني الذي يغني ليس سوى ناقلٍ لرسالة، ومفسرٍ لمشاعر صاغها الشاعر في غرفِ عزلته. فالأغنية الراقية لا تُبنى على الإيقاعات المتسارعة أو الصخب، بل تُبنى على "القصيدة"؛ تلك التي تحمل في طياتها حكمة الحياة، وألم الفراق، ولوعة الحب. حين يغني الفنان، هو في الحقيقة يقرأ "سيرة الشاعر"، ويحاول أن يترجم لغته إلى نغماتٍ تصل إلى الوجدان.
الشاعر المرهف: صانع المعجزات الشعورية
يُخطئ من يظن أنَّ الشاعر يكتب بالمداد وحده؛ الشاعر الحقيقي هو "المرهف" الذي يحمل أعباء التجربة الإنسانية على كتفيه. هو الذي يقف طويلاً أمام أبواب الدهشة ليقتنص صورةً لم يسبقه إليها أحد، أو ليصيغ شعوراً طالما تاه في صدورنا ولم نجد له اسماً.
هذا الإحساس الإبداعي هو الذي يصنع المعجزات الذوقية ؛ فحين تتقاطع نبرة الشاعر مع لحنٍ مخلص، نصبح أمام حالةٍ من "السمو العاطفي". إنها تلك اللحظة التي يتوقف فيها الزمن، ونشعر أنَّ الأغنية كُتبت خصيصاً لتشفي جرحاً في أرواحنا أو لتؤرخ لفرحٍ عابرعبر الزمان .
الفن الراقي.. بناءٌ على أساس متين
الفن الراقي المشرف هو الذي يخرج من "محراب الأدب". فالأغاني التي تظل تعبر عن الجمال ، والتي نحفظ كلماتها كأنها جزء من هويتنا، هي تلك التي كانت القصيدة فيها هي "الأساس" لا "التكملة".
إننا اليوم، وفي ظل طوفان الأعمال السريعة التي تفتقر إلى العمق، أحوج ما نكون إلى العودة لتعظيم دور الشاعر. فالأغنية التي لا تبدأ ببيت شعرٍ من الروح والكيان، لا يمكنها أن تترك أثراً في نفوسنا اوالتاريخ. الشاعر هو الذي يحمي الفن من الابتذال، وهو الذي يضع المعايير التي تجعل من الطرب رسالةً نبيلة، لا مجرد استهلاكٍ للوقت.
إنَّ الطرب الحقيقي ليس في براعة الأداء فحسب، بل في "صدق النص". الشاعر هو المهندس الأول لهذا الجمال؛ هو الذي يبني قلاع المشاعر، ويخطط مسارات الوجدان. فلنحتفِ دائماً بذاك الذي يتعبُ في كتابة الكلمة، لنرتاح نحن في ظلالِ قلمه، ولنظل مؤمنين بأنَّ كلَّ جمالٍ نعيشه، وراءه شاعرٌ مرهف، قدَّم روحه قرابينَ للكلمة، فاستحقت أن تكون خالدة باسمه .
بقلم - احمد يوسف