وصف المدون

.bigmag-post-author { display: none; }
صحيفة متجددة

الشرق العربي

آخر المقالات
الصفحة الرئيسية رحلةٌ بين ضفتي الوصل والهجر في "حِنْ يا قاسي" للشاعر احمد دهاس

رحلةٌ بين ضفتي الوصل والهجر في "حِنْ يا قاسي" للشاعر احمد دهاس

حن يا قاسي 

على حبيبــك حِـنْ اليــوم ياقــاســي       

ولا تعـــــذب قلــــبــــاً لابن دهـــاسِ

ياناعس الــطـرف ياحُـبـي ويا أمــلي          

يامن يُهيـــِّـج بالهجــران وســـــواسي

أسقيتني المُـرَّ ألـــوانـاً وزدت جــفـــاً      

وقد قطعت بطـــولِ البـعـد أنفـاسـي

أبيتُ في خنـــدق الأحـــزان منــزويــاً      

وفيه أضرب أخمـــــاســاً بأســـــداسِ

جــــاوزْتَ في الهجرِ حتى هدَّني وبدا     

جسمي هزيلاً له ثوبُ الأسى كاســي

يا مالكَ الحســـنِ في الدنيا ويا رشَـأ ً      

كأنــك البـــــدرُ إن يبــــدو بأغـــلاسِ

يُهِيجُني طرفـُــك السِّحـري ويَفتِــنـني

جيــدٌ تحــلَّى بيـــــاقوتٍ و ألمـــــاسِ

وتَسْعَدُ الـــروحُ إن ما جئت معتصبـاً        

بالــــوردِ والـفـــــلِّ والكـــاذيِّ والآسِ

يا من يُعــــذِّبُ محبــوباً يـهيـــمُ بـــهِ       

ولا يـفـــكِّــرُ في يــــومٍ له يـُـواســـي

هلا رحُمتَ شَـجـِـيـًّا هائـمـــاً كَلـِفـــاً        

يُصْلَى من العشْقِ في الدنيا بمِقْباسِ

أصليتَ مهجتَـــهُ أدمـيتَ مقـلــتـَــهُ      

أصبْتهُ في وصــــالٍ منـــك باليـــأسِ

يا فاتنــاً فيه قد هِمْتُ الزمــــانَ ولمْ       

أهـــوى وأعشــــــقَ إلاَّهُ من النـــاسِ

هـــلاَّ رجعــتَ بأشـــواقٍٍ مؤجَّـجَـــــةٍ     

وعُدتَ بالــوصلِ تَروي كُلَّ أغـراسـي

لِتـُنْـسِـــني كلَّ ما قـــاسيتُ من ألـــمٍ       

وتجعـــلَ القلبَ  في سعْــدٍ وإينـــاسِ

فأنت لا غـيـرَ مـن أحـبـبـتُ يا قــدري    

وأنت لاغيرَ من يصــفـــــو به كأســي 

إن عُــدتَ يا فـاتنَ الخـــدَّينِ مــعتذراً 

يعــود عــقـلي الذي طيَّرتَ من رأسـي

وإن تماديتِ في هَجــــري فـوا أسفـــا        

قد يُعلنُ الحبُّ للعشــــاقِ إفـــــلاسي

فافعلْ بي ما شئتَ يا قلبي و يا نظري     

و يا شعــوري وأشـــواقي وإحســـاسي

شعر أحمد هادي دهاس

 قصيدة "حن يا قاسي" للشاعر المبدع أحمد هادي دهاس واحدة من تلك النصوص الشعرية التي تتسلل إلى الوجدان بنعومة، لتوقظ في النفس شجون المحبين ولوعة المشتاقين. إنها صرخة عتاب مغلفة برقة الاستعطاف، ومناجاة روحية تعكس مدى الضعف الإنساني أمام سطوة الحب وقسوة الحبيب.

لقد استطاع الشاعر في هذه القصيدة أن ينسج من خيوط الألم والرجاء لوحة فنية متكاملة، تتجلى فيها براعة الوصف وصدق العاطفة، مذكرًا إيانا بعصر الشعر الذهبي حيث كانت الكلمة هي المعبر الأول عن خلجات الروح.

العاطفة الصادقة ونداء الاستعطاف

تبدأ القصيدة بنداء مباشر يحمل في طياته مزيجاً من الرجاء والانكسار:

"على حبيبــك حِـنْ اليــوم ياقــاســي / ولا تعـــــذب قلــــبــــاً لابن دهـــاسِ"

هذا الاستهلال يضع القارئ فوراً في قلب المعاناة؛ فالشاعر لا يخجل من إظهار ضعفه أمام محبوبه، بل يجعله سلاحه الأوحد. تتدرج العاطفة في القصيدة من الشكوى والتوجع (أسقيتني المر، أبيت في خندق الأحزان)، لتصل إلى قمة التوسل والرجاء (هلا رجعت، لِتُنسني كل ما قاسيت)، ثم تنتهي باستسلام تام ومطلق لمشيئة المحبوب (فافعل بي ما شئت يا قلبي ويا نظري)، وهو ما يمثل أقصى درجات الذوبان في العشق.

لوحات بيانية وصور جمالية آسرة

يزخر النص بصور فنية بديعة استقاها الشاعر من قاموس الطبيعة ومن عمق معاناته النفسية، مما أضفى على القصيدة حيوية وحركة، ومن أبرز هذه الصور:

  • تجسيد الحزن والأسى: في قوله "أبيتُ في خنـــدق الأحـــزان منــزويــاً", استخدم الشاعر استعارة مكانية عميقة؛ فالحزن ليس مجرد شعور، بل هو "خندق" مظلم وعميق يعزل الشاعر عن العالم. ويُكمل هذه الصورة بتجسيد آخر في قوله "له ثوبُ الأسى كاســي", حيث جعل الأسى ثوباً يُلبس، ليبرز كيف أن الحزن قد أحاط بجسده النحيل من كل جانب حتى صار رداءه الوحيد.

  • التضاد بين ظلمة الهجر ونور المحبوب: شبه الشاعر محبوبه بالبدر في قوله "كأنــك البـــــدرُ إن يبــــدو بأغـــلاسِ". والأغلاس هي ظلمة آخر الليل، وهنا تبرز براعة التصوير؛ فوجه المحبوب هو النور الذي يشق حلكة أحزان الشاعر وعذاباته.

  • استحضار الطبيعة والعطور: رسم الشاعر لوحة مبهجة تتناقض مع حزنه حين يتخيل قدوم محبوبه متزيناً بالطبيعة: "إن ما جئت معتصبـاً / بالــــوردِ والـفـــــلِّ والكـــاذيِّ والآسِ". هذا البيت يفوح بالعطور ويحرك الحواس، ويربط جمال الحبيب بجمال الطبيعة ورائحتها الزكية، مما يعكس رقة ذائقة الشاعر.

  • نار العشق المشتعلة: استعار الشاعر النار للتعبير عن شدة الوجد في قوله "يُصْلَى من العشْقِ في الدنيا بمِقْباسِ" و "أشـــواقٍٍ مؤجَّـجَـــــةٍ". النار هنا تطهر المحب وتحرقه في آن واحد، في دلالة على العذاب المستمر الذي لا ينطفئ إلا بـ "الوصل" الذي يروي "الأغراس".

الإيقاع الموسيقي وحرف الانكسار

لا يمكن إغفال الجانب الموسيقي في القصيدة. فقد اختار الشاعر قافية "السين المكسورة" (قاسي، دهّاسِ، أنفاسِ، إفلاسي...). الكسرة في نهاية كل بيت ليست مجرد حركة نحوية أو عروضية، بل هي "كسرة" حقيقية تعكس انكسار قلب الشاعر وحزنه العميق. الإيقاع المتدفق للقصيدة يشبه تنهيدات متلاحقة تخرج من صدر مثقل بالهموم.

تحية لشاعرٍ يغزل من النبض قصيداً (أحمد هادي دهاس)

إن قراءة هذا النص تكشف لنا عن شاعرٍ يمتلك ناصية اللغة، ومفردات طيعة تنساب بين أنامله لتشكل عقوداً من الجمال. أحمد هادي دهاس ليس مجرد ناظم للكلمات، بل هو "رسّام بالكلمات" وموسيقي يعزف على أوتار القلوب.

لقد أثبت الشاعر من خلال هذه القصيدة قدرته الفائقة على إحياء القصيدة العمودية الكلاسيكية، وبث روح معاصرة ونابضة فيها. شجاعته في التعبير عن مشاعره بصدق، دون تكلف أو افتعال، تجعل كلماته تخترق القلوب بلا استئذان. إنه شاعر يمتلك رقة العاشقين، وجزالة اللغويين، وحس مرهف يجعله يرى الجمال حتى في غمرة الألم، فيعطينا دروساً في كيف يكون الوفاء، وكيف يكون الحب استسلاماً جميلاً لمن نهوى.

ختاماً، قصيدة "حن يا قاسي" هي وثيقة عشق مكتوبة بماء الدمع، تستحق أن تُقرأ بتمهل، وأن تُتذوق صورها الجمالية العذبة، لتبقى شاهدة على أن الشعر الأصيل الصادق لا يزال حياً، ينبض بقوة في وجدان مبدعيه.


بقلم - احمد يوسف

إعلان أول الموضوع

إعلان وسط الموضوع

إعلان أخر الموضوع