في وقتٍ كانت فيه الشاشة الفضية المصرية غارقة في قصص القصور المخملية، والروايات الفرنسية المقتبسة، والميلودراما المسرحية المبالغ فيها، ظهر مخرج شاب قرر أن ينزل بالكاميرا إلى المكان الذي تنبض فيه الحياة الحقيقية: الحارة الشعبية.
في كتابه «رواد الواقعية في السينما المصرية» (الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «آفاق السينما»)، يسلط الناقد والمؤرخ الفني دكتور وليد سيف ضوءاً كثيفاً على تجربة المخرج الراحل كمال سليم؛ باعتباره الرائد الأول الذي أخذ على عاتقه تقديم دراما مستلهمة من قلب الشارع المصري، ليتحول من مجرد مخرج إلى "أبو السينما المصرية" وصانع نقطة التحول الأبرز في تاريخها.
من أزقة «القلعة» إلى باريس: تشكّل الوعي البديل
ولد كمال سليم عام 1913 في حي «القلعة» العريق بالقاهرة. نشأته في هذه البيئة الشعبية الخصبة كانت المخزون الاستراتيجي لوعيه السينمائي الذي تشكّل مبكراً. عاش سليم في فترة حراك وطني وثقافي تلت ثورة 1919، حيث كانت مصر تبحث عن هويتها في مواجهة الاستعمار، وكانت الفنون تبحث عن لغة تعبر عن "المصري الأفندي" و"المصري الكادح".
لم يقف شغف سليم عند حدود المشاهدة، بل سافر إلى فرنسا لدراسة السينما بجهد ذاتي. هناك، احتك بالتيارات الواقعية الأوروبية الناشئة التي كانت تنادي بالنزول بالكاميرا إلى الشارع والاهتمام بقضايا الإنسان البسيط. عاد سليم إلى مصر محملاً برؤية تغرّد خارج السرب، ومغايرة تماماً لما كان يقدمه رواد السينما الأوائل مثل يوسف وهبي أو عزيزة أمير.
«العزيمة» 1939: البيان الأول لسينما الشارع
واجه كمال سليم عقبات وتحديات جمة لإقناع المنتجين بجدوى تقديم أفلام تخلو من القصور والباشوات، لكن المحطة الفاصلة في تاريخ السينما العربية تجسدت عام 1939 عندما أخرج فيلمه الخالد «العزيمة». لم يكن الفيلم مجرد عمل عابر، بل كان بمثابة «بيان الواقعية الأول».
القصة والعمق الاجتماعي: دارت الأحداث في حارة شعبية حقيقية، حول قصة (محمد) الشاب المتعلم الذي يكافح للحصول على وظيفة ليتزوج ابنة جاره، ليصطدم بآلام البطالة، والفساد، والمحسوبية والصراع الطبقي بجرأة غير مسبوقة.
المكان كبطل: لأول مرة، شاهد الجمهور المصري نفسه على الشاشة، واستمع إلى لغة الشارع الصادقة. نجح سليم في توظيف الإضاءة والزوايا ليجعل من "المكان" بطلاً موازياً للشخصيات، وهو ما جعل الفيلم يتصدر قائمة أفضل مائة فيلم في تاريخ السينما المصرية.
محطات وثقت المنهج الواقعي
رغم الضغوط الإنتاجية الكبيرة، واصل كمال سليم تكريس منهجه الواقعي من خلال أعمال تركت بصمة واضحة في مسيرته القصيرة، ومن أبرزها:
فيلم «العزيمة» (1939): المحطة الأبرز التي رصدت البطالة والصراع الطبقي، وجعلت من الحارة البطل الأول للعمل.
فيلم «إلى الأبد» (1941): الذي استمر من خلاله في محاولات ترسيخ الواقعية ومجابهة التحديات الإنتاجية السائدة.
فيلم «شهداء الغرام» (1944): وقدم فيه رؤية سينمائية مغايرة لقصة "روميو وجولييت" بروح وتمصير شعبي خالص.
فلسفة الإخراج: سينما الرسالة والأداء الطبيعي
تميز أسلوب كمال سليم بقدرة فائقة على إدارة الممثلين؛ حيث نجح في تفكيك الأداء المسرحي الخطابي والمبالغات الشائعة حينها، مستخرجاً أداءً طبيعياً وتلقائياً من نجوم كبار مثل فاطمة رشدي وحسين صدقي.
ولأنه كان يؤمن بالبناء الدرامي المتماسك، كان يكتب السيناريو والحوار لأغلب أفلامه ليمنحها وحدة فنية ورؤية إخراجية متكاملة. السينما في نظره لم تكن مجرد أداة للترفيه، بل رسالة اجتماعية؛ ولذلك كانت أفلامه تنتهي دائماً ببارقة أمل أو دعوة للكفاح والعمل، وهو ما يفسر اختياره لاسم فيلمه الأهم «العزيمة».
رحيل مبكر وإرث لا يموت: شهادات للتاريخ
غيّب الموت كمال سليم سريعاً عام 1945 في ريعان شبابه عن عمر ناهز 32 عاماً فقط، لكن الأثر الذي تركه كان عميقاً ومستداماً، حيث مهّد الطريق لظهور جيل كامل من مخرجي الواقعية الشامخين.
وقد توقف العديد من القامات الفنية والنقاد أمام تجربته بكثير من التقدير:
المخرج صلاح أبو سيف: كان يعتبره أستاذه الأول، وأكد مراراً أنه هو من أخرجه من جدران الاستوديوهات الضيقة إلى الحارة المصرية الحقيقية، وأنه لولا «العزيمة» لما وجدت المدرسة الواقعية التي اشتهر بها أبو سيف لاحقاً.
المخرج يوسف شاهين: وصفه بأنه المخرج الذي "كسر القالب التقليدي" للسينما الغنائية والكوميدية السائدة، ونجح في جعل «الحارة» بطلاً درامياً يضاهي الشخصيات البشرية.
الناقد سمير فريد: أشار إلى أن سليم كان يمتلك رؤية سوسيولوجية (اجتماعية) سابقة لعصره، ولم يكتفِ بنقل الواقع بل حلل الصراع الطبقي بذكاء سينمائي، معتبراً رحيله المبكر خسارة فادحة.
الفنان أنور وجدي: ذكر في مذكراته أن العمل مع كمال سليم كان بمثابة درس في «الأداء الطبيعي»، حيث كان يرفض المبالغة المسرحية ويصر على أن يتحدث الممثلون كما يتحدث الناس في الشارع تماماً.
لقد رحل كمال سليم جسداً، لكن "عزيمته" الفنية ظلت حجر الأساس الذي نهضت عليه السينما المصرية الواقعية، ليبقى دائماً في ذاكرة الفن الأب الشرعي لسينما الناس.
