وصف المدون

.bigmag-post-author { display: none; }
صحيفة متجددة

الشرق العربي

آخر المقالات

 

ولد إدريس محمد جمّاع في مدينة "حلفاية الملوك" بالسودان، ونشأ في بيئة صبغتها الروحانية واللغة العربية الرصينة. تخرج في دار العلوم بمصر، وهو ما منح شعره تلك المسحة من الجزالة اللغوية والقدرة الفائقة على التصوير، لكن خلف هذا النبوغ كانت تختبئ روح شفافة لم تحتمل قسوة الواقع.

العبقرية التي لامست حدود الجنون

يُلقب جمّاع بـ "الشاعر المنكوب"، ليس لفشل في موهبته، بل لأن عقله لم يستطع الصمود أمام فرط حساسيته تجاه الجمال والألم. أصيب في سنوات نضجه بمرض نفسي أقعده عن ممارسة حياته الطبيعية، ونُقل بسببه إلى المصحات في السودان ثم لندن.

تقول الرواية الشهيرة إنه حين كان في رحلة علاجية، التقى في المطار بامرأة فائقة الجمال برفقة زوجها، فأطال النظر إليها حتى غار زوجها وحاول حجبه عنها. في تلك اللحظة، نطق جمّاع ببيته الخالد الذي يُعد من أروع ما قيل في الغزل الوصفي:

أعلى الجمال تغارُ منا؟ .. ماذا علينا إذا نظرنا؟

هي نظرةٌ تُرِي المحبَّ .. بليّةً، لـمّا فُتِـنّا

ويُقال إن الممرضة التي كانت تشرف على علاجه في لندن، حين تُرجم لها أحد أبياته التي يصف فيها تعبه، أجهشت بالبكاء قائلة: "هذا الرجل لا مكان له في المصحة، مكانه في متاحف العباقرة".

السهل الممتنع في شعره

تميز شعر إدريس جمّاع بما يُعرف بـ "السهل الممتنع"؛ كلمات بسيطة تصل للقلب مباشرة، لكنها تحمل فلسفة وجودية عميقة. من أشهر قصائده "رحلة النيل" وقصيدته الشهيرة "أنت السماء" التي يقول فيها:

السيفُ في غمدِهِ لا تُخْشَى مضاربُه .. وسيفُ عينيكِ في الحالتينِ بتّارُ

فلسفته في الحياة والألم

لم يكن جمّاع شاعراً للحب فحسب، بل كان مهموماً بالإنسانية والبحث عن المدينة الفاضلة التي لم يجدها إلا في خياله. في قصيدته "أعلى الجمال"، لخص مأساة الإنسان الحساس في هذا العالم ببيتٍ سار ذكره بين الركبان:

ذرفتُ دموعي فوق خدّي حارقةً .. فما جفّت الدموعُ ولا استراحتِ المآقي

وإذا كانت النفوسُ كباراً .. تعبت في مرادها الأجسامُ

رحل إدريس جمّاع في صمت عام 1980، تاركاً خلفه ديواناً وحيداً بعنوان "لحظات باقية". ورغم قلة إنتاجه، إلا أنه حجز لنفسه مقعداً دائماً بين كبار شعراء العربية. لقد كان جمّاع ضحية لشفافيته المفرطة، وكأنه كان "أكبر من جسده"، فاحترق بنور عبقريته ليضيء لنا دروب الشعر السوداني والعربي بجمالٍ لا ينطفئ.


الشرق العربي - احمد يوسف

إعلان أول الموضوع

إعلان وسط الموضوع

إعلان أخر الموضوع