في عالم الفن، هناك أعمال تولد لتبقى، لا لأنها تتبع موجة عابرة، بل لأنها تلمس الوجدان وتوثق ذاكرة الأرض. ويأتي عمل "من قدها جدة" ليكون ثمرة تعاون فني رفيع بين الفنان أحمد يوسف والملحن شامر جمال والشاعر حسن قحل، ليجسد حالة من العشق لـ "عروس البحر الأحمر" في قالب غنائي يتجاوز حدود التقليد.
فلسفة فنية مغايرة: الانحياز للمكان والذكريات
ما يميز مسيرة الفنان أحمد يوسف هو امتلاكه لبوصلة فنية واضحة؛ فهو فنان لا يلهث خلف الأنماط التجارية السائدة. وفي عمله "من قدها جدة"، يتجلى بوضوح اعتزازه بهذا النوع الفني الذي يعتبره "الأقرب إلى قلبه".
يرى أحمد يوسف أن الفن الحقيقي هو الذي يخلد الزمان والمكان ويستنطق الذكريات. لذا، يجد المستمع في اختياراته التي تتميز بالنجاح ميلاً واضحاً نحو الأغاني التي تحمل أبعاداً وطنية، واجتماعية، ووجدانية مرتبطة بالأرض والإنسان، مع تقليل التركيز على المواضيع الغزلية المكررة أو قصص "الحب والغرام" التقليدية التي تملأ الساحة.
"من قدها جدة": عندما يتعانق الصوت واللحن
جاء هذا العمل ليعكس شغف أحمد يوسف بالغناء للمكان. فجدة ليست مجرد مدينة في هذا العمل، بل هي تاريخ وروح. وبفضل الرؤية اللحنية للمبدع شاكر جمال، استطاع العمل أن يترجم هذه المشاعر إلى نغمات تنساب بعذوبة، لتناسب صوت أحمد يوسف الذي يميل بطبعه إلى الوقار الفني والعمق في الطرح.
لماذا يعتز أحمد يوسف بهذا العمل؟
يعبر الفنان أحمد يوسف عن اعتزازه بـ "من قدها جدة" لعدة أسباب جوهرية:
الارتباط بالهوية: العمل يمثل هويته الفنية التي تفضل الاحتفاء بالمعالم والارتباط العاطفي بالمواقع الجغرافية.
الهروب من التكرار: يعتبره هروباً جميلاً من صخب الأغاني العاطفية التي يرى أنها أخذت حيزاً أكبر من اللازم، مفضلاً أن يترك بصمة في أغاني "الذاكرة والوفاء".
التناغم مع الملحن والشاعر: الانسجام الكبير مع الشاعر حسن قحل والملحن شاكرجمال جعل من الأغنية قطعة فنية متكاملة الأركان، تعبر عما يجيش في صدر الفنان من حب لهذه المدينة العريقة.
"من قدها جدة" ليس مجرد أغنية عابرة، بل هو بيان فني وقعه أحمد يوسف وحسن قحل، ليؤكدا أن الفن الذي يعيش هو الذي يلتصق بتراب الوطن وذاكرة الناس. يظل أحمد يوسف بهذا العمل وفياً لمدرسته الخاصة: مدرسة المكان، والزمان، والصدق الفني البعيد عن المبالغات العاطفية.
صدق الإحساس: ما يخرج من قلب "الشاعرحسن" يصل إلى القلوب مباشرة، فشعره مرآة لصدقه، وقوافيه تشهد له بطول الباع في ميدان الأدب، حيث يضع بصمته الفريدة التي لا يشبهه فيها أحد.
الشرق العربي - قسم الأنشطة الفنية
