في هذا الموضوع نتناول موروث "السامري" ويعد واحداً من أبرز وأعرق الفنون الأدائية في الجزيرة العربية، فهو ليس مجرد إيقاع وحركة، بل هو سيمفونية شعبية تختزل تاريخ الإنسان الصحراوي في علاقته مع الوجد، والسمر، والارتحال. إن هذا الفن الذي تشربته الذاكرة الجمعية، يمثل حالة من التناغم الفريد بين الكلمة الرصينة واللحن الشجي والإيقاع المتزن.
جوهر السامري: وحدة الروح والجسد
في البحث الذي قدمته عام 2017 لجمعية الثقافة والفنون بالطائف، سعيت إلى تفكيك هذه المنظومة الأدائية، ليس فقط كفن عابر، بل كمرتكز هوياتي. إن السامري يرتكز على بنية "الجلوس" التي تخلق وحدة حال بين المؤدين؛ حيث تتماهى حركة الأجساد مع دقات "الطار" ونغمات "المرواس"، ليصبح الجميع في حضرة نص شعري يبحث في غياهب النفس البشرية عن الحب، الشوق، أو الفخر.
أنواع السامري الأربعة عشر: مدرسة في التنوع
على الرغم من وحدة القالب العام للسامري، إلا أنه يتشعب في تفاصيل أدائية ونغمية تجعل منه علماً قائماً بذاته. ومن خلال الرصد والتوثيق الميداني -والذي تضمن تسجيل وتوثيق العديد من الجلسات الفنية لهذا اللون- يمكن تلخيص التنوع في هذا الفن عبر أنماطه الأساسية التي تعكس براعة الموروث في التجدد ضمن ثوابته:
السامري الحساوي: يمتاز بالهدوء والاتزان في الإيقاع، وتركيز عالٍ على جودة النص الشعري.
السامري الزهيري: يعتمد على مقدمات غنائية (زهيريات) تسبق الدخول في الإيقاع.
السامري البدوي (النجدي): أكثر حدة في الإيقاع وأكثر ميلاً للحركة التفاعلية.
السامري الخفيف: الذي يميل للسرعة والبهجة في الأداء. (بالإضافة إلى الأنماط الأخرى التي تشكل في مجموعها هذه الأنواع الأربعة عشر، والتي تتمايز بينها من حيث سرعة الإيقاع، طريقة ضرب الطيران، وطبيعة القصيدة المختارة).
التوثيق: أمانة الفن في وجه النسيان
إن عملنا على توثيق هذا الموروث، وتسجيل الجلسات الفنية، لم يكن يهدف فقط إلى الحفظ، بل إلى وضع هذا الفن في سياقه الصحيح كجزء من الهوية الثقافية. فكل "جلسة" تم تسجيلها هي وثيقة حية، تحفظ نبرة الصوت، وطريقة التفاعل مع اللحن، وتؤكد أن السامري لا يموت ما دام هناك من يتقن فن الإنصات والترديد.
إن الفن الحقيقي هو ذاك الذي يربط ماضينا بحاضرنا، والسامري بخصائصه المتعددة يظل شاهداً على أن الإنسان في هذه الأرض لم يكتفِ بالعيش في الصحراء، بل حولها إلى مسرح للجمال والكلمة العذبة.
بقلم - احمد يوسف