يظل النقد المسرحي الحقيقي هو ذاك الذي يمد جسوراً متينة بين العرض والجمهور، بعيداً عن التعقيد اللغوي والمصطلحات المقعرة التي يلوح بها البعض كدليل زائف على العمق. في كتابه الأحدث «كلام في المسرح»، الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، يرفع الكاتب والناقد يسري حسان راية الانحياز للقارئ غير المتخصص، مبرهناً على أن النقد يمكن أن يكون ممتعاً وسلساً، دون أن يفقد قدرته البارعة على النفاذ إلى جوهر العمل وتفكيك مفرداته.
يأخذنا حسان في رحلة نقدية تشمل 39 عملاً مسرحياً مصرياً عُرضت بين عامي 2023 و2024، متناولاً تجارب متباينة في الرؤية والأدوات، تكشف عن حيوية المسرح المصري وقدرته على المغامرة والتجديد.
«الأرتيست».. الانتصار للمرأة الفنانة عبر سيرة زينات صدقي
في قراءته لعرض «الأرتيست» للمخرج محمد زكي، يوضح يسري حسان أن العرض لم يستهدف تقديم سيرة ذاتية تقليدية للفنانة الكوميدية الراحلة زينات صدقي، بل تجاوز ذلك ليكون صرخة انتصار للمرأة الفنانة العربية بوجه عام.
لقد اتخذ المخرج من سيرة زينات صدقي وسيلة ولغة تعبيرية لبيان حجم التضحيات والآلام النفسية التي تدفعها الفنانة في مجتمع محافظ، ظل لزمن طويل — وربما لا يزال لدى بعضهم — ينظر إلى العمل بالفن كخروج عن الأعراف. ومن خلال عملية انتقاء ذكية لملامح دالة من حياتها، نجح العرض في إبراز جمال الرسالة الفنية وعمق الوجع الإنساني المخبوء وراء ضحكات صاحبتها.
«البؤساء» بالدمى.. مغامرة الكوميديا السوداء
ينتقل بنا الكتاب إلى تجربة مغايرة تماماً، حيث يبرز عرض «البؤساء» للمخرج محمود جراتسي كواحدة من أبرز المغامرات المسرحية. ففي خطوة غير مألوفة — على الأقل في تاريخ المسرح المصري — عولج نص الشاعر الفرنسي فيكتور هوغو الشهير عبر مزج العنصر البشري بالدمى.
ورغم أن الرواية الأصلية تجسد الجحيم البشري وقسوة القوانين والمأساوية الخالصة، إلا أن العرض كسر أفق التوقع تماماً بتقديمه في قالب من الكوميديا السوداء. نجح جراتسي في الحفاظ على الرؤية الكلية للنص الأصلي دون الانزلاق في الابتذال، مقدماً صياغة مشهدية متماسكة تولد الضحك والأسى في آنٍ واحد.
«التحول» في جنوب مصر.. تلاحم كافكا وسامسا في أبنوب
لعل الصعوبة الأبرز والتحدي الأكبر الذي يرصده حسان في كتابه يتمثل في عرض «التحول» للمخرج مارك صفوت، والذي قدمته «فرقة ثقافة أبنوب» بمحافظة أسيوط في جنوب مصر. الصعوبة هنا لم تكن فقط في وعورة النص المحبوك عن روايتي «المسخ» و«المحاكمة» وعلاقتها بحياة الكاتب التشيكي فرانز كافكا، بل في النجاح في قيادة 20 ممثلاً وممثلة في عمق الأقاليم البعيدة لتقديم تجربة مسرحية مركبة ونوعية كهذه.
السينوغرافيا والمشهد الافتتاحي: يبدأ العرض بمشهد غامض ومهيب؛ حيث ينتشر الممثلون وسط صالة الجمهور حاملين الشموع في وضع متجمد كالتماثيل، لتبدأ الحركة مع انطلاق العرض.
تداخل الفضاءات المسرحية: اعتمد العرض على منظر ثابت ومستويات حركية ذكية؛ في اليمين غرفة بطل كافكا (غريغور سامسا)، وفي اليسار حجرة كافكا نفسه، بينما يتحول بهو البيت في المنتصف مرونةً ليصبح سجناً للمحاكمة، أو نعشاً يُحمل فيه البطل.
يمضي العرض مراوحاً ببراعة بين مأساة "سامسا" الذي تحول إلى حشرة هائلة وضيق عائلته به، وبين مأساة "كافكا" وعلاقته المتوترة بأبيه، وصولاً إلى مشهد التلاحم والالتصاق بين الشخصيتين باعتبارهما كياناً واحداً يعاني من وطأة الحصار والاتهام بجرايم لم يرتكبها.
إن كتاب «كلام في المسرح» ليس مجرد رصد لتوثيق العروض، بل هو دعوة حقيقية لإعادة الاعتبار للنقد التنويري البسيط الذي يعيد فتح أبواب المسرح للجميع، ويؤكد أن الإبداع المسرحي في مصر لا يزال ينبض بالحياة، ويمتلك القدرة على الدهشة والمغامرة من العاصمة وحتى أبعد نقطة في الصعيد.
بقلم - احمد يوسف
