يظل محمود درويش، ليس فقط كشاعر للقضية، بل كبناءٍ سردي متكامل، محوراً للدراسات النقدية التي تحاول فك شفرات الرمز في قصيدته. وفي أحدث الإصدارات الثقافية، يطل علينا الباحث رامي مصطفى هلال عبر كتابه «ملامح السرد في الخطاب الشعري عند محمود درويش» (الصادر عن الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة)، ليضع اليد على ملمح جوهري في تجربة درويش: «تجليات البيت».
البيت.. أكثر من مجرد جدران
يرى هلال أن البيت في شعر درويش ليس حيزاً هندسياً من الإسمنت والحجر، بل هو "بطل سردي" بامتياز. هو الرمز الذي يختصر الوطن، ويفيض بالحميمية، ويحمل ذاكرة الخروج والعودة. في قصائد درويش، يصبح مفتاح البيت عضواً من أعضاء الجسد، وشاهداً تاريخياً على حقٍ لا يسقط بالتقادم.
حوارية الأب والابن: اليقين التاريخي
يتوقف الكتاب طويلاً عند قصيدة «لماذا تركتَ الحصان وحيداً؟»، حيث تتجلى تقنيات السرد من خلال "راوٍ عليم" وحوار درامي بين الأب والابن. في هذا النص، لا يسرد درويش مجرد سيرة ذاتية للنكبة، بل يؤسس لـ "يقين العودة".
السين للمستقبل: حين يقول الأب "سننجو.. ونعلو.. ونرجع"، هو لا يتحدث عن أمنيات، بل عن حتمية تاريخية يربطها برحيل جنود بونابرت الأوائل عن أسوار عكا، مؤكداً أن الغرباء الجدد راحلون أيضاً.
أنسنة المكان: في لفتة إنسانية فارقة، يبرر الأب ترك الحصان خلفه بأنه لـ "يؤنس البيت"، لأن البيوت تموت إذا غاب سكانها. هنا يتحول البيت إلى كائن حي يقاوم الغياب، ويرفض أن يتحول إلى "أطلال" للبكاء، بل يظل جسداً ينبض بانتظار أصحابه.
رحلة التحول: من "البروة" إلى "القصيدة"
يرصد الباحث تطور مفهوم البيت في تجربة درويش عبر مراحل زمنية مختلفة:
المرحلة الرومانسية: ارتبط البيت بمسقط رأسه في قرية "البروة"، وتفاصيله الحسية من رائحة القهوة وخبز الأم وشجر الزيتون.
شعرية الفقد: مع تعمق مأساة الشتات، أصبح البيت يُعرف بضده؛ أي بالمنفى. لم يعد الحيز الذي نسكنه، بل الحيز الذي يسكن فينا كجرح أو حلم.
المرحلة الكونية: في أواخر أعماله، اتسع البيت ليشمل المطلق والأسطورة، ليتصالح درويش مع فكرة "الشتات الوجودي"، معتبراً أن الاستقرار الحقيقي يكمن في النص والإيقاع، حيث يصبح البيت هو "القصيدة" ذاتها.
الاستنتاج
إن دراسة رامي مصطفى هلال تكشف كيف استطاع محمود درويش أن يحول "البيت الفلسطيني" من حالة جغرافية مسلوبة إلى حالة وجودية واستعارة كبرى للهوية. لقد ظل البيت في شعره "فرودساً مفقوداً" وصراعاً مستمراً بين الحضور والغياب، ليثبت في النهاية أن الذاكرة الحية هي الوحيدة القادرة على مواجهة محاولات المحو والتذويب.
بقلم - احمد يوسف
