المرض في حياة المؤمن ليس مجرد عارض صحي أو ألم عابر، بل هو "محطة تنقية" واختبار لعظمة الصبر وعمق الرضا. الاحتساب هو تلك العبادة القلبية الخفية التي تحوّل الأنين إلى تسبيح، والوجع إلى أجر، والضيق إلى سعة في رحاب الله.
ماهية الاحتساب وعمقه
الاحتساب ليس مجرد سكون في وجه الألم، بل هو الصبر الممزوج برجاء الأجر. هو أن يعلم المريض يقيناً أن كل وخزة إبرة، وكل ليلة سهر من أثر التعب، ليست ضائعة في ميزان العدل الإلهي. الرضا بالقضاء وعدم التسخط هو مفتاح هذه العبادة؛ فالمؤمن المحتسب يرى في مرضه "لطفاً خفياً" وسبيلاً للقرب من ربه.
كفارة للسيئات ورفعة في الدرجات
تتجلى رحمة الله في أن المرض يغسل الخطايا غسلاً. فكما تسقط الشجرة ورقها في الخريف، تتساقط ذنوب العبد مع كل ألم يحتسبه. إن الوعد النبوي عظيم، إذ يُبشرنا بأن المؤمن يخرج من مرضه -إذا صبر واحتسب- نقيّاً من الذنوب "كيوم ولدته أمه". وليس هذا فحسب، بل إن هناك درجات في الجنة لا يبلغها العبد بعمله، فيبتليه الله بما يكره ليرفعه إليها بصبره.
ثمرات الصبر والرضا
معية الله: فالله مع الصابرين، وقريب من المنكسرة قلوبهم.
الأجر بلا حساب: إنما يوفى الصابرون أجرهم بغير حساب، فالميزان عند الله واسع وكريم.
سكينة النفس: الرضا بقضاء الله يمنح المريض طمأنينة لا يجدها غيره، لأنه يعلم أن أمره كله خير.
رسالة إلى كل صابر
يا من أثقله المرض وأنهكه التعب، تذكر أنك في كنف الرحيم. احتسب أنفاسك، واحتسب سكونك، واحتسب صمتك. إن الله الذي ابتلى هو الذي يداوي، وهو الذي يكتب لك بهذا الصبر نعيماً لا ينفد وذكراً لا ينقطع.
ما يُصيبُ المُسلِمَ مِن نَصَبٍ ولا وَصَبٍ، ولا هَمٍّ ولا حُزْنٍ ولا أَذًى ولا غَمٍّ، حتَّى الشَّوْكَةِ يُشاكُها؛ إلَّا كَفَّرَ اللَّهُ بها مِن خَطاياهُ. (متفق عليه)
بقلم - احمد يوسف