يعتقد الكثيرون أن عقولنا تشبه "الأقراص الصلبة" التي تمتلئ بمرور الوقت، مما يضطرها لحذف القديم لتفسح مجالاً للجديد. لكن الحقيقة العلمية التي كشفت عنها ميشيل سبير، أستاذة التشريح بجامعة بريستول، تبدو أكثر تعقيداً وإثارة؛ فالدماغ لا "يمتلئ"، بل يختار بذكاء ما يستحق البقاء.
الانتباه: الحارس الشخصي لذاكرتك
تؤكد البروفيسور سبير في مقالها عبر موقع "The Conversation" أن الرحلة تبدأ من بوابة الانتباه. فإذا كنت تعتقد أنك نسيت ذكرى سعيدة، فقد يكون السبب الحقيقي أنها لم تُسجل أصلاً.
الفلترة اللحظية: يتعرض الإنسان يومياً لكم هائل من المعلومات يفوق قدرته الاستيعابية.
عامل التركيز: بدون توجيه انتباه كامل للحظة، تُخزن التجربة بشكل هش أو لا تُخزن إطلاقاً.
الذكريات "الناقصة": الكثير مما نسميه "نسياناً" هو في الواقع فشل في عملية التشفير الأولية نتيجة التشتت.
الذاكرة ليست "فيديو".. إنها "رواية" متجددة
خلافاً للتصور الشائع، الذكريات ليست ملفات ثابتة نفتحها لنشاهدها، بل هي عمليات ديناميكية تتغير في كل مرة نستدعيها فيها.
إعادة الصياغة: في كل مرة تتذكر فيها موقفاً، يقوم دماغك بإعادة بناء الذكرى، مما قد يضيف إليها أو يحذف منها تفاصيل جديدة.
قوة التكرار: الحديث عن الذكريات السعيدة أو تأملها يعمل كمثبت للألوان؛ فالتكرار يقوي الروابط العصبية ويجعل استرجاعها مستقبلاً أسهل.
تباين الروايات: هذا يفسر لماذا يروي شخصان نفس الحدث بتفاصيل مختلفة تماماً؛ فكل دماغ أعاد صياغة القصة بطريقته.
خرافة "امتلاء الدماغ"
يفند المقال الفكرة السائدة بأن الدماغ له سعة محدودة مثل الكمبيوتر. وتوضح سبير الفرق الجوهري:
"الشعور بضغط المعلومات ليس ناتجاً عن نفاد مساحة التخزين، بل عن محدودية الذاكرة العاملة وقدرتنا على التركيز في لحظة زمنية معينة."
وعلى الرغم من تقديرات معهد سالك الأمريكي التي تشير إلى قدرة الدماغ على تخزين كميات فلكية من البيانات، إلا أن سبير تعتبر هذه الأرقام مضللة لأن الدماغ لا يخزن البيانات كـ "ملفات"، بل يوزعها عبر شبكات عصبية مرنة تتغير وتتداخل باستمرار.
هل تضيع الذكريات حقاً؟
الخبر السار في دراسة سبير هو أن الذكريات السعيدة التي نعتقد أنها تلاشت، غالباً ما تكون موجودة في مكان ما، لكننا "فقدنا الطريق إليها".
صعوبة الاسترجاع: المشكلة ليست في زوال المعلومة، بل في تعثر الوصول إليها.
المحفزات السحرية: يمكن لروائح معينة، أو مقطع موسيقي، أو حتى لمسة، أن تعمل كـ "مفتاح" يفتح الأبواب المغلقة ويعيد الذكرى بكامل تفاصيلها فجأة.
إن عقولنا لا تخذلنا بالنسيان، بل تحمينا بتنظيم الفوضى، وما نفقده في الغالب ليس "الحدث"، بل القدرة على استحضاره في زحام الحياة.