رحل عنا العلامة الدكتور عباس الجراري، لكن أثره ظل محفوراً في وجدان الأجيال الأكاديمية والأدبية. هو الرجل الذي استطاع أن يخرج "الأدب المغربي" من بوتقة المحلية إلى آفاق الدراسات المقارنة، مكرساً حياته لخدمة الكلمة والفكر والبحث الرصين.
النشأة والتكوين: بين الرباط والقاهرة
ولد الجراري في مدينة الرباط في أسرة علم وفضل، وتلقى تعليمه الأولي فيها قبل أن ينطلق إلى "قاهرة المعز" ليحصل على الإجازة والماجستير والدكتوراه من جامعة القاهرة. هذا المزيج بين التكوين المغربي الأصيل والانفتاح على المشرق العربي، منح فكره مرونة استثنائية وقدرة على التحليل الشمولي.
مشروع "المعجم العربي" وخدمة التراث
كرّس الدكتور الجراري جزءاً كبيراً من جهده لتوثيق التراث المغربي، وخاصة "الزجل" و"الملحون"، حيث اعتبرهما جزءاً لا يتجزأ من الهوية الأدبية. كانت أطروحته الشهيرة حول "القصيدة: الزجل في المغرب" نقطة تحول في النظرة الأكاديمية لهذا الفن، إذ نقلته من خانة الفنون الشعبية المهمشة إلى رحاب البحث العلمي المنضبط.
المناصب والعطاء الفكري
شغل الجراري مناصب رفيعة، منها:
مستشار الملك: عمل مستشاراً للملك الراحل الحسن الثاني ثم الملك محمد السادس، وكان صوتاً للحكمة والثقافة في دوائر القرار.
عضو أكاديمية المملكة المغربية: ساهم من خلالها في إرساء دعائم النهضة الثقافية.
أستاذ الأجيال: درّس في جامعة محمد الخامس بالرباط، وتتلمذ على يديه المئات من الباحثين الذين يقودون المشهد الثقافي اليوم.
مؤلفاته: مكتبة متكاملة
ترك الجراري خلفه أكثر من 70 مؤلفاً تنوعت بين الأدب، والتصوف، والتاريخ، والفكر الإسلامي، ومن أبرزها:
"في الإبداع الأدبي": رؤية نقدية متميزة.
"الأدب المغربي من خلال ظواهره وقضاياه": المرجع الأساسي لدارسي هذا الفن.
"ثقافة الصحراء": دراسة معمقة للهوية الثقافية في الأقاليم الجنوبية.
"النضال في الشعر العربي": ربط الأدب بقضايا الأمة الكبرى.
النادي الجراري: منارة للفكر الحر
لا يمكن الحديث عن الأستاذ عباس دون ذكر "النادي الجراري"؛ ذلك المجلس الأدبي الذي كان يعقد في بيته بالرباط، حيث يلتقي الأدباء والشباب والمفكرون للنقاش والتحاور في جو من الود والحرية، مما جعله امتداداً للمجالس الأدبية الكلاسيكية بروح عصرية.
"إن الثقافة ليست ترفاً، بل هي الدعامة الأساسية التي تقوم عليها وحدة الأمة واستقلالها الفكري." — د. عباس الجراري