إذا كان لكل شعب صوتاً يختزل تاريخه، وأرضه، وأشواقه، فإن اليمنيين قد أجمعوا على أن الفنان أيوب طارش عبسي هو ذلك الصوت. هو ليس مجرد فنان مرّ عبر الشاشات والإذاعات، بل هو رفيق الفلاح في حقله، والمغترب في منفاه، والجندي في خندقه، وهو صاحب النبرة التي صاغت "النشيد الوطني" للجمهورية اليمنية، ليصبح صوته هويةً رسمية وشعبية في آن واحد.
البدايات.. من "الأعبوس" إلى قلوب الملايين
ولد أيوب طارش في قرية "المحلة" بمنطقة الأعبوس (محافظة تعز) في الأربعينيات. نشأ في بيئة ريفية ساحرة كانت هي الملهم الأول لألحانه. انتقل إلى عدن في شبابه، وهناك بدأت موهبته تنضج في مناخ ثقافي منفتح، فمزج بين "اللون التعزي" الريفي وبين الحداثة الموسيقية التي كانت تشهدها عدن آنذاك.
ثنائية "أيوب والفضول": عبقرية الكلمة واللحن
لا يمكن الحديث عن أيوب طارش دون ذكر رفيق دربه الشاعر الراحل عبد الله عبد الوهاب نعمان (الفضول). شكل هذا الثنائي حالة استثنائية في تاريخ الفن العربي؛ حيث حول الفضول مشاعر الحب، والوطن، والأرض إلى كلمات شديدة الرقة والعمق، وجاء أيوب ليمنحها أجنحة من الألحان الخالدة.
من هذه الثنائية ولدت روائع مثل:
"رددي أيتها الدنيا نشيدي" (النشيد الوطني).
"لك التحيّة يا وطني".
"طاب البلس".
"يا من رحلت".
فنان الزراعة والإنسان
يُلقب أيوب طارش بـ "فنان الزراعة"؛ فقد غنى للأرض كما لم يغنِّ أحد. جسدت أغانيه معاناة الفلاح وفرحة الحصاد، ونقلت تفاصيل الحياة الريفية اليمنية بدقة مذهلة. أغانيه مثل "مهلنيش" و*"هيا بنا يا شباب"* لم تكن مجرد طرب، بل كانت دعوات للبناء والعمل والارتباط بالتراب.
أما في جانب "أغاني الاغتراب"، فقد كان أيوب هو البلسم للمهاجرين اليمنيين في أصقاع الأرض. كانت أغانيه "تنبش" الحنين في القلوب، وتصور لوعة الفراق والاشتياق للعودة إلى "اليمن السعيد".
السمات الفنية لصوته
يتميز أيوب طارش بقدرة فائقة على أداء المقامات الصعبة بمرونة ريفية فطرية. صوته يحمل "بحة" تميزه عن غيره، وهي بحة تشبه ضباب جبال تعز وخشونة مدرجاتها. كما أنه ملحن بارع استطاع تطويع الآلات الموسيقية لخدمة الموروث اليمني، مبرزاً آلة "العود" كبطل أساسي في جلّ أعماله.
أيوب طارش.. الرمز الفني الوطني
بعيداً عن الفن، يمثل أيوب طارش حالة من الإجماع الوطني. في بلد مرّ بمنعطفات سياسية صعبة، ظل أيوب هو الخيط الرفيع الذي يجمع كل الأطراف. صوته هو القاسم المشترك في كل بيت، وفي كل مناسبة وطنية، وفي كل صباح يمني يبدأ بـ "طائر مروح" أو "يا كحيل الرنا".
أيوب طارش عبسي ليس مجرد مطرب، بل هو مؤسسة ثقافية متنقلة. هو الذي صاغ بوجدانه ملامح الإنسان اليمني المعاصر، ووثق بصدق ملامح الأرض وحكايات الحب العذري. سيظل أيوب "أيقونة" خالدة، تعكس شموخ الجبال وصبر الفلاحين، وتبقى أغانيه مدرسة للأجيال القادمة في كيفية حب الوطن من خلال الفن الرفيع.
بقلم : احمد يوسف