وصف المدون

.bigmag-post-author { display: none; }
صحيفة متجددة

الشرق العربي

آخر المقالات
الصفحة الرئيسية أحمد دهاس: الشاعر الذي جعل من "العاضية" أيقونةً للجمال

أحمد دهاس: الشاعر الذي جعل من "العاضية" أيقونةً للجمال

 

العاضية
وعـاضيةٍ بعضيتهـــا  شجـتني
وأبهج حسنهــا الفتَّــانُ نفسي
بدا الــوزَّاب مـعـتـبـقـــاً وكاذٍ
كمـــا الأقـمــار وضَّــاءً برأسِ
ومفرقُــها قد استحـلى بظِفْرٍ
تغيَّب مذ لـه ناظــرتُ حسِّـي
وزين جيدَهــا المــاسيّ عقدٌ
تدلَّى فعــوةً من فـوق سلْسِ
ونوّر شعْرَها الداجي شمــاسٌ
كأن بريقُــه إشــعـــاعَ شمسِ
توشَّــى ثوبُهـــا دراًّ ومــاســـاً
تلألأ في الحـرير وفي الدمقسِ   
حبــاها خــالق الأكـوان وجهاً
كبـدر ٍظــاهــرٍ في وقتِ غَلْسِ
كمثل جمــالها الأخَّـــاذِ ما قد
رأت عينـــاي في عُـرْب وفُرسِ
رمت في داخل الأحشاء سهما
بطــرْفٍ منهـا ذي فتكٍ وبـأسِ
فصــار غرامهــا يجتــاح قلـبي 
يذوب صباحَــه فيهــا ويمسي
براني حبـُّـهـــا واعتل جسـمي 
كــأني واقـعـــاً منــهـــا بمسِّ
فتقت لوصلهــا وازددتُ شوقاً
بليـلٍ فيـه تسعـــدني بهـمسِ
فهـلاَّ ترأف الحسنـــا وتـرضـى
بوصـلٍ ينسني ضيمي وبـؤسي
وتطــربني بضحـكتهــا فأهـنى
وجــرحَ القلب تبـْرده بلمــسِ

كلمات الشاعر أحمد دهاس

قصيدة "لعاضية" للشاعر أحمد دهاس نموذجاً فريداً يمزج بين عذوبة الغزل الكلاسيكي وخصوصية البيئة التهامية واليمنية، حيث يستحضر الشاعر مفردات الطبيعة والجمال الشعبي ليصيغ لوحة فنية نابضة بالحياة.

إليك قراءة تحليلية في جماليات هذه القصيدة:

1. التغني بالجمال والارتباط بالأرض

يبدأ الشاعر قصيدته بالتركيز على "العاضية"، وهي دلالة رمزية وجمالية ترتبط بتزيين الرأس بالرياحين والزهور (مثل الوزّاب والكاذي). هذا الاستهلال لا يصف وجهاً جميلاً فحسب، بل يصف ثقافة كاملة من الجمال والزينة التي تعبق برائحة الأرض والأصالة.

  • الوزّاب والكاذي: اختياره لهذه النباتات العطرية يضفي صبغة حية على القصيدة، فكأن القارئ لا يرى الجمال فقط، بل يستنشق عبيره أيضاً.

2. لغة الجسد والحلي: مشهد بزيٍّ ملكي

ينتقل دهاس من زينة الرأس إلى تفاصيل الحسن الأخرى، مستخدماً لغةً غنية بالاستعارات:

  • الجيد الماسي: يصف العنق بالمرصع بالماس، مشبهاً العقود التي تتدلى عليها بـ"الفَعْوَة" (وهي نوع من الثعابين أو الجدائل لبيان الالتفاف والانسيابية)، مما يعطي انطباعاً بالفخامة.

  • التضاد البصري: يبرز الشاعر التضاد بين "الشعر الداجي" (الأسود القاتم) وبين "الشماس" (الزينة المضيئة)، وهو ما يشبه بزوغ الشمس في قلب الليل، مما يعزز بريق الصورة الفنية.

3. الصنعة اللفظية والأناقة القماشية

في البيت الذي يصف فيه الثوب الموشى بالدر والماس، يستخدم الشاعر مفردات تراثية مثل "الدمقس" (وهو الحرير الأبيض الغليظ)، مما يدل على تمكنه من المفردة العربية الأصيلة. هذا المزيج بين الحرير والدر والماس يعكس هيبة المحبوبة ومكانتها في قلب الشاعر.

4. أثر الحب: من الانبهار إلى "المس"

ينعطف الشاعر في النصف الثاني من القصيدة نحو "الذات"، واصفاً أثر هذا الجمال الأخاذ على جسده وروحه:

  • الفتك والبأس: يصور نظراتها كسهام تخترق الأحشاء، وهي صورة دارجة في الغزل العربي لكنها هنا تأتي كتمهيد لحالة "الاعتلال" و"الضنى".

  • الحالة الوجدانية: يصل الشاعر إلى مرحلة متقدمة من العشق، حيث يصف الحال بـ "المس"، وهو تعبير عن فقدان السيطرة أمام سطوة الجمال.

5. الاستجداء العاطفي والخاتمة

تختتم القصيدة بروح الشكوى وطلب الوصل. الشاعر لا يطلب المستحيل، بل يبحث عن "همسة" في ليل أو "لمسة" تبرد جرح القلب. هذا النداء (فهلا ترأف الحسناء) ينقل القصيدة من حالة الوصف الخارجي إلى حالة المناجاة الداخلية.

قصيدة أحمد دهاس هي سيمفونية بصرية وعطرية. نجح الشاعر في جعل "العاضية" مركزاً لكونه الشعري، فاستطاع أن ينقلنا من جمال الزينة النباتية إلى فخامة الحلي، وصولاً إلى عمق المعاناة الإنسانية الناتجة عن الحب. هي قصيدة تحتفي بالجمال التقليدي بروح شاعرية متقدة.


الشرق العربي - احمد يوسف

إعلان أول الموضوع

إعلان وسط الموضوع

إعلان أخر الموضوع