وصف المدون

.bigmag-post-author { display: none; }
صحيفة متجددة

الشرق العربي

آخر المقالات

  

الموهبة ليست مجرد ذكاء استثنائي أو مهارة فطرية، بل هي "أمانة" تستوجب الرعاية لتتحول من مجرد شرارة كامنة إلى طاقة مبدعة تضيء دروب المجتمع. إن تطوير مهارات الموهوبين ليس مسؤولية فردية، بل هو منظومة متكاملة تتقاطع فيها أدوار الأسرة، والمجتمع، والمؤسسات، لضمان عدم ضياع هذا الاستعداد الفطري في زحام الروتين أو الإهمال.

أولاً: الأسرة.. الحاضنة الأولى ومهد الموهبة

الأسرة هي خط الدفاع الأول عن الموهبة. الموهوب يحتاج إلى بيئة "آمنة عاطفياً" قبل أن يحتاج إلى بيئة "محفزة ذهنياً":

  • الاكتشاف المبكر: يقع على عاتق الوالدين ملاحظة شغف الطفل أو ميله لمهارة معينة (سواء كانت علمية، فنية، أو أدبية) وتوفير الأدوات التي تساعده على ممارسة هذا الشغف.

  • التشجيع المتوازن: الموهوب ليس بحاجة إلى ضغط إضافي لتحقيق الإنجاز، بل يحتاج إلى دعم يعزز ثقته بنفسه دون أن يربط قيمته الإنسانية بإنجازاته فقط.

  • توفير الموارد: توفير الكتب، الأدوات، أو الانتساب لدورات تخصصية يعزز الموهبة ويحولها من مجرد "هواية" إلى "مهارة احترافية".

ثانياً: المؤسسات التعليمية والمهنية.. صقل الأدوات

لا يكفي الشغف وحده، بل يحتاج الموهوب إلى أدوات علمية ومنهجية لصقل موهبته:

  • برامج الإثراء: يجب على المؤسسات التعليمية تبني برامج تتجاوز المناهج التقليدية، لتلبي احتياجات العقل المبدع الذي يسبق أقرانه في التفكير والتحليل.

  • الإرشاد والتوجيه: يحتاج الموهوب إلى مرشد (Mentor) خبير في مجاله، يوجهه لكيفية توظيف قدراته في سياق عملي ومفيد، ويحميه من التشتت في بداياته.

  • البيئة التنافسية المحفزة: خلق منصات ومسابقات تسمح للموهوبين بالاحتكاك بأقرانهم، مما يولد روح التحدي الإيجابي ويفتح آفاقاً جديدة للتعاون والإبداع المشترك.

ثالثاً: المجتمع.. البيئة الحاضنة والمحفزة

المجتمع هو "الوعاء" الذي يحتضن الموهبة ويحدد قيمتها:

  • ثقافة التقدير: إن إيمان المجتمع بأهمية الموهوبين واحتفاؤهم بهم (سواء عبر الإعلام أو الفعاليات الثقافية) يعزز من انتماء الموهوب لمجتمعه ويحفزه على توظيف قدراته لخدمة قضايا وطنه.

  • توفير الفرص: المجتمع الواعي هو الذي يوفر الفرص للموهوبين ليتصدروا المشهد، سواء في قيادة المشاريع التنموية، أو في طرح حلول مبتكرة للمشكلات المعقدة.

  • تقبل الاختلاف: الموهوبون غالباً ما يمتلكون رؤى مختلفة وتفكير "خارج الصندوق". المجتمع الذي يحتضن التنوع ويتقبل الأفكار الجديدة هو الذي ينجح في استبقاء عقوله المبدعة ومنعها من "هجرة الكفاءات".

التكامل.. مفتاح الاستدامة

إن نجاح الموهوب يعتمد على "خيط رفيع" يربط هذه الأطراف الثلاثة:

  1. الأسرة تكتشف وتحمي.

  2. المؤسسات تصقل وتوجه.

  3. المجتمع يحتضن ويوظف.

إذا انقطع أحد هذه الأطراف، قد تذبل الموهبة. فعلى سبيل المثال، الموهوب الذي تجد أسرته موهبته ولكن لا تجد مؤسسة تصقلها، قد يشعر بالإحباط. وبالمثل، الموهوب الذي يجد الدعم المؤسسي ولكن يواجه مجتمعاً لا يقدر قيمته، قد يفقد دافعه للاستمرار.

ختاماً

إن الاستثمار في الموهوبين هو أذكى استثمار للمستقبل. الموهوب ليس مجرد رقم في سجل الإنجازات، بل هو "قيمة مضافة" يمكنها تغيير وجه الواقع. دعونا لا ننتظر من الموهوب أن يثبت وجوده وحده، بل لنبادر كأسرة ومجتمع ومؤسسات بفتح الأبواب له، فالعظمة التي تظهر في فرد واحد، هي ثمرة لمناخٍ كاملٍ ساعدها على النمو.

من واقع تجربتي العملية كمثقف وإعلامي، اجد أن هناك نقصاً في "جسور التواصل" بين هذه الأطراف الثلاثة (الأسرة، المؤسسات، المجتمع) في رعاية الموهوبين في محيطنا العربي


بقلم - الاستاذ مختار بركات 

إعلان أول الموضوع

إعلان وسط الموضوع

إعلان أخر الموضوع