الجميع ينظرون إلى عازف الموسيقي كفنان يعيش في عالم من النغم والعاطفة الجياشة، لكن خلف هذه الصورة الرومانسية تكمن حقيقة سيكولوجية مذهلة؛ فالموسيقيون، بفضل سنوات طويلة من التدريب الشاق والبحث عن "النغمة المثالية"، ينقلون هذه الدقة المتناهية من أوتار آلاتهم إلى نسيج حياتهم اليومية. إنهم لا يعزفون الموسيقى فحسب، بل يمارسونها كفلسفة في الإتقان، حيث يصبح أي خطأ في الواقع، تماماً كـ "النشاز" في المقطوعة الموسيقية، أمراً لا يمكن التغاضي عنه.
مدرسة الانضباط: التناغم مع التفاصيل
الموسيقى في جوهرها هي "علم التوقيت" و"رياضيات الصوت". فالعازف المسيقي الذي يقضي ساعات طوال في موازنة الترددات، والتحكم في التنفس، وضبط الابعاد الموسيقية ، يكتسب دون وعي "حساً رقابياً" داخلياً. هذا الحس لا يتوقف عند انتهاء من اغنية او مقطوعه أو إغلاق صندوق الآلة، بل يمتد ليصبح بوصلة يومية.
فمثلا عازف الكمان: يدرك أن انحرافاً بسيطاً في زاوية القوس أو ضغطة الإصبع يؤدي إلى نشاز يفسد المقطوعة. هذا التراكم المعرفي يجعله باحثاً دائماً عن "الكمال التعبيري" في علاقاته وأعماله، فهو لا يقبل بأنصاف الحلول، لأن احساسه المرهف المنظبط اعتاد الجمال الصافي فلا يطيق الفوضى في حياته .
عازف القانون والناي: تتطلب هذه الآلات دقة جراحية في التعامل مع المقامات والمسافات الصوتية الدقيقة. هذا التوقد الذهني يُترجم في الحياة العامة إلى حرص شديد على ترتيب الأفكار، ووضوح المواقف، وتجنب العشوائية التي قد تشوش على "مقام" حياته الخاص فتراه منظم واعي راقي في كل تعامل .
أصحاب الإيقاع: حراس الوقت
تعتبر فئة "الايقاعين الموسيقين تحديدا" أو عازفي الإيقاع الحالة الأكثر إثارة للدهشة في هذا السياق. إنهم العمود الفقري لأي فرقة موسيقية اواغنيه ، ومهمتهم الأساسية هي حماية "الزمن". الموسيقي الإيقاعي يعيش في حالة استنفار دائمة مع الميزان الموسيقي، حيث إن تأخره بمقدار جزء من الثانية ينسف تماسك المقطوعة.
هذا الانضباط الزمني الحاد يتحول لدى الإيقاعيين إلى "هوس بالمواعيد" يصل حد الإعجاز. بالنسبة لهم، الوقت ليس مجرد قياس فيزيائي، بل هو "نبض" وجودي؛ لذا، فإنهم يقدسون المواعيد كحد السيف، وينظرون إلى التأخير كـ "نشاز زمني" لا يمكن التسامح معه. إنهم يعيشون حياتهم بنظام "الميزان" (Tempo)، حيث لكل فعل موقعه الدقيق، ولكل التزام استحقاقه الصارم.
الموسيقى صانعة للشخصية الحذرة
لماذا يميل الموسيقيون إلى الحذر والدقة؟ السبب هو أن الموسيقى علمتهم أن الإتقان ليس غاية، بل هو الحالة الطبيعية للأشياء. عندما تعيش سنواتك وأنت تلاحق "الجمال المطلق" في النوتاتوالمقامات والابعاد الموسيقية، يصبح من الصعب عليك قبول "الرداءة" أو "واللامبالاة" في واقعك الذي تعيشه .
إنهم يمارسون "نقد الذات" بصفة مستمرة متسامحين حتى لوكان الخطأ منهم فهم يكررون المحاولات لاصلاح اخطائهم في حياتهم مثل بروفات الاعمال الموسيقية ويراجعون اخطاءهم، تماماً كما يراجعون أداءهم بعد كل تمرين . هذا الحذر الذي قد يراه البعض مبالغاً فيه اوحتى قد يراه البعض مرض نفسي ، ليس إلا انعكاساً لمسؤولية كبيرة يشعر بها الموسيقي تجاه فنه، وهي مسؤولية انتقلت بالعدوى إلى سلوكه الاجتماعي والمهني فاصبحت شديدة الدقة .
وكلمة حق اقولها من واقع تجربة ، الموسيقيين لا يعيشون في إيقاعات منفصلة، بل يحاولون دائماً ان تكون حياتهم كمعزوفة قطعة موسيقية متناغمة. إن دقتهم في المواعيد والتصور للنتائج ، وحذرهم في اتخاذ القرارات ، وحرصهم على الجودة، هي في الحقيقة "أداء حياة انتقلت لهم من الموسيقى" انظباط واتزان لا يتوقف. ففي عالم يضج بالعشوائية ، يظل الموسيقيون هم الحراس الذين يذكرونن ، بأفعالهم قبل نغماتهم ، بأن الحياة لا تستحق أن تُعاش إلا "بإتقان".
هذا الانضباط الذي يكتسبه الموسيقيون يمنحهم شعوراً بالسلام الداخلي، و يضعهم تحت ضغط نفسي مستمر نتيجة سعيهم الدائم نحو المثالية فكان الله في عون كل موسيقي يعشق فنه .
بقلم - احمد يوسف
