في خطوة تعكس حزم الدولة ورؤيتها الواضحة في حماية النسيج الاجتماعي، جاءت البيانات الأخيرة الصادرة عن وزارة الداخلية والهيئة العامة لتنظيم الإعلام لترسم ملامح مرحلة جديدة من الرقابة والمسؤولية. هذه البيانات لم تكن مجرد تنبيهات إجرائية، بل هي "ميثاق وطني" يجدد التأكيد على أن المساس بالوحدة الوطنية أو إثارة النعرات القبلية المقيتة هو تجاوز لن يتم التهاون معه.
المسؤولية الإعلامية.. ما وراء الكلمات
شددت الهيئة العامة لتنظيم الإعلام على نقطة في غاية الأهمية، وهي "الممارسات غير المباشرة". فالخطر لا يكمن فقط في الإساءة الصريحة، بل في تلك الرسائل المبطنة التي توحي بالأفضلية على أساس الانتماء، أو إقحام القبلية في سياقات لا تخدم المحتوى بقدر ما تثير الفرقة.
إن صناعة المحتوى اليوم ليست مجرد "تسجيل موقف" أو "حصد مشاهدات"، بل هي أمانة مهنية تتطلب من كل كاتب، وإعلامي، وصانع محتوى أن يزن كلماته بميزان المصلحة الوطنية. فالكلمة التي قد تبدو عابرة، قد تكون فتيلًا يشعل انقسامات تمس تلاحم المجتمع الذي يمثل الركيزة الأساسية لاستقرار الوطن وازدهاره.
الحزم الأمني.. الإجراءات النظامية بالمرصاد
على الجانب الآخر، جاء إعلان وزارة الداخلية عن مباشرة الإجراءات النظامية بحق المتورطين في محتويات تثير التعصب القبلي، ليكون رسالة واضحة لكل من تسول له نفسه استغلال منصات التواصل الاجتماعي لبث سموم التفرقة. هذا التحرك الأمني يعزز القناعة بأن القانون هو المظلة التي تحمي الجميع، وأن "المواطنة" هي الرابط الأسمى الذي يعلو فوق كل الانتماءات الضيقة.
الوعي المجتمعي هو الحصن المنيع
إن مواجهة هذه الظواهر ليست مسؤولية الجهات الحكومية فحسب، بل هي مسؤولية مجتمعية تبدأ من الفرد. إن تعزيز قيم التلاحم ونبذ كل ما يوحي بالتمييز هو السبيل الوحيد للحفاظ على مكتسباتنا الوطنية. فالمجتمع الواعي هو الذي يرفض الانجرار خلف محاولات التأجيج، ويدرك أن قوة الوطن في تنوعه الذي ينصهر داخل بوثقة الوحدة الوطنية.
ختاماً.. يبقى الالتزام بالضوابط المهنية والمسؤولية المجتمعية هو الاختبار الحقيقي لكل من يملك صوتاً في الفضاء الرقمي أو الإعلامي. فالوطن يبنى بالتلاحم، ويُحمى بالوعي، ويزدهر عندما تكون مصلحة الجماعة فوق كل اعتبار فئوي أو قبلي. إنها دعوة للجميع ليكونوا لبنات بناء في جدار الوحدة الوطنية، لا معاول هدم في نسيجها المتماسك.
بقلم : احمد يوسف