وصف المدون

.bigmag-post-author { display: none; }
صحيفة متجددة

الشرق العربي

آخر المقالات
الصفحة الرئيسية "المصالح المشتركة" حين ينسى شريكُ العمل الفضلَ وانك سبب نجاحه

"المصالح المشتركة" حين ينسى شريكُ العمل الفضلَ وانك سبب نجاحه

 في دروب الحياة المعقدة، نلتقي بمئات الوجوه، ونفتح أبواب قلوبنا لأشخاص نظنهم سنداً وعوناً. ومن بين أجمل العلاقات الإنسانية تبرز "الصداقة" كواحة دافئة وسط هجير الأيام. لكن، ماذا يحدث عندما تتحول هذه الواحة إلى شر بسبب خلاف مالي اوشراكة عمل تجاري انتهت مدتها اوطلب انت لا تستطيع علية لأمور قد تظر مصحلتك في المقام الأوابسبب مصلحة شخص اخر؟ وماذا يتبقى من مشاعرنا عندما نكتشف أن من منحناهم مفاتيح ثقتنا ومصالحنا المشتركة لم يكونوا سوى "عابري مصلحة لأنفسهم فقط" يرتدون أقنعة الود وعندما تختلف معهم لاجل المصلحة المشتركة والفائدة العامة ، تأتي الأذية والطعنات الخفية من أيديهم ويسببون لك الشعور بالخذلان ويتناسون ماقدمت لهم من عون عندما كانولايملكون شيئا مماحققوه من نجاح بسببك ؟

إن أشد الآلام مضاضة ليست تلك التي تأتي من عدو مجاهر بالعداوة، بل هي التي تأتي من قِبل صديقٍ مقرب، وثقت به حتى عميت عن نواياه، فجاءت ضربته لتصيب العمق، لأنها لم تجد درعاً يحمي منها كما كنت متوقع .

فلسفة المصلحة وسقوط الأقنعة

إن "صديق المصلحة" كائن ذكي في إدارة مشاعره المؤقتة؛ يمتلك راداراً دقيقاً يوجهه نحو مكامن المنفعة، سواء كانت مادية، اجتماعية، أو حتى مهنية. تجده حاضراً في أيام حاجته اليك ، مادحاً لإنجازاتك التي يريد ان يشاركك فيها،ويبقى قريباً من مجالس نجاحك. ولكن، هذه العلاقة تحمل في بطنها بذور فنائها، فبمجرد أن ينتهي الغرض منك ، أو تجف منابع الفائدة ،  يبدأ القناع بالانزلاق ،  وتتحول اللهفة إلى خذلان ، وقد يتطور الأمر إلى أذية مباشرة ووالتخريب في مصالحك  لتبرير فشلهم وعدم ادارتهم الناجحة .

الحذر من هذه الفئة ليس دعوة للتشاؤم أو سوء الظن المطلق، لا بل هو "وعي وقائي"؛ فالحياة تجارب، والعاقل من يضع بينه وبين الآخرين "مسافة أمان" تتيح له الرؤية بوضوح دون أن يتجرع مرارة الخذلان وخاصة في الاعمال التي تبنى على الشراكة والوفاء .

عبر من التاريخ والواقع: ثلاث قصص تلخص الحكاية

لعل أبلغ ما يرسخ هذا المعنى في الأذهان، هي القصص العميقة التي خلدها التاريخ أو تناقلتها تجارب البشر، والتي تظهر كيف تكون عاقبة الثقة العمياء في أهل المصالح:

1. قصة الخيانة الصامتة: الوزير وأبو العتاهية

في عهد الخلافة العباسية، كان هناك رجل يقترب من الشاعر المعروف "أبو العتاهية"، ويتودد إليه بكل الوسائل، ويظهر له من الحب والولاء ما يجعله أقرب من الأخ، مستغلاً مكانة الشاعر وقربه من الخلفاء والوزراء ليصعد في مناصب الدولة. وبالفعل، بفضل تزكية الشاعر ودعمه، نال هذا الرجل منصباً رفيعاً وحظوة عند الوزير. وبمجرد أن استقر للرجل كرسيه، وشعر أنه لم يعد بحاجة إلى خدمات أبو العتاهية، انقلب عليه تماماً. بل إن الأذية لم تقف عند حدود الهجر، بل بدأ يوشي بالشاعر عند الوزير، وينقل كلاماً مجتزأً ليوقع بينهما خوفاً من أن يكشف الشاعر حقيقته السابقة. حينها سطر أبو العتاهية بيته الشهير الذي يختصر وجع هذه التجربة:

فَمَا كُلُّ ذِي لُبٍّ بِمُؤْتِيكَ نُصْحَهُ ... وَمَا كُلُّ مُؤْتٍ نُصْحَهُ بِلَبِيبِ وَإِذَا أَنْتَ لَقِيتَ المصلحة تَقُودُهُمْ ... فَاحْذَر مَوَدَّتَهُمْ فَالغَدْرُ فِيهِمْ قَرِيبُ

2. قصة "بروتس" والطعنة الشهيرة (التاريخ القيصري)

تظل قصة القائد الروماني "يوليوس قيصر" وصديقه المقرب "بروتس" الرمز الأعمق عبر التاريخ لأذية المقربين. كان بروتس يمثل للقيصر الابن والصديق المخلص، وغمزه الكثيرون بأن بروتس يتقرب لأجل النفوذ والمصالح السياسية، لكن قيصر كان يقدم له الرعاية والثقة المطلقة. وعندما حانت لحظة المؤامرة وتبدلت المصالح السياسية في مجلس الشيوخ، انضم بروتس إلى القتلة بدافع الحفاظ على مكتسباته وموقعه الجديد. وعندما هجموا على قيصر، حاول الدفاع عن نفسه، لكنه عندما التفت ووجد صديقه المقرب "بروتس" يرفع الخنجر ليطعنه، توقف قيصر عن المقاومة وقال كلمته التي تدمي القلوب وصارت مثلاً عبر العصور: "حتى أنت يا بروتس؟!.. إذن فليسقط قيصر". لم تقتله طعنات الحديد، بل قتلته صدمة الخيانة من الشخص المقرب.

3. قصة تاجر السندات وسقوط الشراكة (من الواقع المعاصر)

في أحد الأسواق التجارية، بدأت شراكة قوية بين صديقين منذ أيام الدراسة. أحدهما كان يملك المال والآخر يملك الخبرة والعلاقات. لسنوات طويلة، كان الصديق "الخبير" يظهر التفاني التام لصاحب المال، ويعيش في ظله، ويؤكد له في كل محفل أن مصلحتهما واحدة. مرت الأيام، وتعلم الخبير خبايا السوق وأسس شبكته الخاصة مستفيداً من اسم صديقه وثقته العمياء التي جعلته يسلمه الدفاتر والتوكيلات. وفي لحظة حرجة من تقلبات السوق، قام هذا الصديق بسحب السيولة ونقل العملاء إلى شركة جديدة أسسها خفية باسم زوجته، وترك صديقه الأول يواجه الإفلاس والقضايا القانونية بمفرده. عندما سُئل الخائن لاحقاً من قِبل وسيط أصلح بينهما: "كيف تهدم سنوات الصداقة؟"، أجاب ببرود: "التجارة مصالح، والصداقة لا تدفع الفواتير".

جدار الحماية: كيف نتعامل مع أصحاب الأقنعة؟

إن الخروج من صدمة أصدقاء المصالح يتطلب حكمة ونضجاً، وليس اعتزالاً للبشر ففيهم من يرفعك ويرتفع معك في كل نجاح تصل اليه . ولحماية نفسك، تذكر دائماً لاتشارك احدا الا وانت حذر منه واجعل كل الشروط المطلوبة بعقد موثق ورسمي :

  • الوعي بالخطوط الحمراء: احرص على ألا تطلع أحداً، مهما بلغت درجة قربه، على نقاط نجاحك أو أسرارك المالية الدقيقة التي قد تُستخدم ضدك يوماً ما.

  • توازن العطاء: الصداقة الحقيقية هي خط ذو اتجاهين (أخذ وعطاء، وتفقد متبادل). أما إذا كنت أنت من يعطي دائماً، والآخر لا يظهر إلا مستهلكاً أو طالباً للعون، فأنت في شراكة منفعة وعليك مراجعتها.

  • الشكر على الدرس: عندما تكشف لك الأيام زيف صديق وثقت فيه كشريك عمل ، لا تستهلك طاقتك في الانتقام أو العتب؛ بل احمد الله أن الغطاء قد كُشف، واعتبر الأذى والخسارة ثمن سيكولوجي مدفوع لامتلاك "بصيرة" أقوى في المستقبل.

يبقى النقاء الإنساني ثروة، ومن الصعب أن نعيش بلا أصدقاء، ولكن كما قيل قديماً: "احذر عدوك مرة، واحذر صديقك ألف مرة، فلربما انقلب الصديق فكان أعلم بالمضرة". صَفِّ دائرتك، واحتفظ بالقلة الصادقة، فسلامة قلبك أغلى من مجاملة عابرة قد تندم عليها سنوات طويله .


بقلم - احمد يوسف 

إعلان أول الموضوع

إعلان وسط الموضوع

إعلان أخر الموضوع