قريتي في صغري أم الخـــــــــــشبْ
خـــــــــالق الكون بها الخيــرَ وهبْ
حيُّنا فيه عــــــــــــــــشـاشٌ وزروبْ
وصفاءٌ حلَّ في كـــــــــــل القلـــوبْ
عند أُمـــــي عِـــــــشَّــةٌ فـيهـا أواني
علَّقــــــــــــــــتها بنظـــــامٍ واتزانِ
كنت أصحـــــــو فأرى نـارا تُوقَـَّـــــدْ
كــــــــــــــل يومٍ وأناســــاً تتسقّــدْ
كل بيت عنـده نــارٌ صغـــــــــــــيره
حولهــا جمعٌ تدفَّـــوا للظــــــــهيره
وأرى الــــراعيَ يغــدو في الصــــباحِ
بنـــعــــــــــاجٍ وبكلبٍ ذي نبــــــاحِ
فرحاً متَّجهـــا نحو المــــــــــــراعي
وعصاة حـــــــطّهـــا تحـــت الذراعِ
من لـه زهـْـــــــب إلى زهــبِـه بـــرَّهْ
بنشـــــــاط وابتهـــــاج ومســــــرَّه
يعمَل الــزَّهب بضمْــدٍ ذي عزيمـــه
وإذا ما جـــــــاع جــاءته الوسيمـــه
بفصوخٍ طعــــمُـــهُ جِــــدُّجــــميلْ
هذا محشـــــــوشٌ تروَّى بالصليـــل
أما هذا فهـــو يا خِــــلِّي خـــــــمير ْ
هيا كـُــــلْ منــــه على هـذا الزبيــرْ
كان في سوقنا أشيـــاءُ جـــــــــميلهْ
هنــــا طُفْيٌ وهنـــا أهــل الرحـــولهْ
وهنا يقبعُ أصــــــحاب العِـــــجـــارْ
وهــــــــنا البُنُّ اليــــماني والحَــوارْ
وهنا أهل المـشــاري والحــــــــبالْ
وهنا ناس يبيعــــــون الـــــغــــلالْ
وهنا أهـــل حــــــــواسٍ وجِــــــرارْ
وجـــــــــبانٍ وبـــــرام وجِــــــــغارْ
وهنا أهـــــل السُّــدَرْ واهل الصُّبـاغْ
وهنـا أهل الحُــلِي وأهـــل المصـاغْ
وهنــا ســــــــوقٌ كبيـرٌ للحـــــمير ْ
وهنــا باعــةُ حَـــــــــبٍّ وشعـــــيرْ
وإذا ما ضــــاع شيء في الســــوائحْ
صاح في الليــل عن الضــايع صـائحْ
قائلاً أعقِلْ بهــا يابن الحـــــــــــلالْ
والبشــارا صـــــــــاع حَب أو ريــالْ
وإذا رعداً سمِعْـــــــنا في الأمـــاسي
تسمع الـــوالش من بعض الأُنــاسي
وإذا ما صــــار هَـــــــــــودٌ لفــلانْ
قدم الأهلـــون من كــــــــل مكــانْ
قبل يوم الهــود قـــــامـوا طــــيَّبوهُ
وعـــــلى الــرأس بفــل عــــــصبوهُ
لبس المثلوث لبســــــًا ثم قــــــامْ
يرقص السيف مع الأهـــل الكــــرامْ
وإذا أصــــبح وافـــــــــاه المعـــلِّي
والغطــــــاريف تُدوِّي في المحــــلِّ
ثم يغدو راقصــاً عنـد القــــــــرايبْ
في بيوت العـــم قد يلقى الحبـــايبْ
وجميع النــاس تشـدوا في صخـــبْ
ذا المعلِّي كَنُهْ يقطـــعْ من خشــــبْ
والنسا يرقصن واطـــــــفال ٌصغـــارْ
ردَّدوا يأمَّ الختينْ شُــقِّي المصـــــارْ
وإذا ما احــــتــاج يومــا للــــــزواجْ
زوجة يختـــارهـا تُصْفي المـــــــزاجْ
تعضى بالطِّـــــــيبِ ودوماً تتكعَّــسْ
تضع الفلَّ على الصــدر المقـــــوَّسْ
تطحن الحَـــبَّ وفي الميفــا تــوشِّي
لتغدِّيــه وبالدخـــــــــن تعــــشِّـي
وإذا ما جــــــــاء ميعــادُ النقــــولْ
قبل ما تبدا العــــروســا بالدخـــولْ
يضع الحَـــــب مســاً قــــــدَّامهــا
وكذا المصنــــاف تحــت اقـدامـها
وإذا ما جـــــــــاءنا شهـر الصيـــامْ
كلنا صمنــــا وصــــــلَّينا القــيــامْ
والنـِّــــــســا بعد التراويح وضــانـهْ
وإذا مانتصف الليــــل طـــــحــانـهْ
تسمـع الطَّحـــن مــدوٍّ للخــــــويدْ
وكذا الدخـــن لكي يحــلــــو الثـريدْ
آه مـــا أجـــمله ذاك الســـحـــــورْ
يملأ البطـــن إلى وقــت الفــطـــورْ
وإذا شـخـصٌ إلى البيـت الحــــــرامْ
قد نـــوى الحــج ولبًّى في ســــــلامْ
نسـوة قمــن يـودِّعـــــــــنهُ حِـينــا
ثم ينشـــدن معا شــعـــراً حــزينــا
درٍّهـــوا لي يا صـبــايا .والقـعـــادهْ
حبّلـــــوهــــا وبتــــــدريـــهٍ رداده
صــوَرٌ أذكـــــــرُهــــا لا تُـنـــتســى
لا تفـــــارقْــني صــــــباحاً ومســـا
وفوانيسٌ وضَـعْـنــا في الكـــــوائبْ
شكلهـــا زاهٍ كأشــــكال الكـــواكـبْ
قريتي حُبٌّ وعشـــــقٌ وهـُـــــيــامْ
في سواها أبصــرُ الدنيـــــا ظـــلامْ
قريتي كانت بمــا فيهــــا منـــــارهْ
ليتها لم ترتدي ثـــــوب الحضــارهْ
شعر الاستاذ أحمد هادي دهاس
في رجب ١٤١٧هجري
في قصيدته الرائعة التي جادت بها قريحته في رجب من عام 1417هـ، يأخذنا الأستاذ الشاعر أحمد هادي دهاس في رحلة حنين عميقة إلى قريته ومسقط رأسه "أم الخشب" (الاسم القديم لمدينة بيش). هناك، حيث وهب الخالق تلك الأرض خيراً وفيراً، وحيث سكن الصفاء في قلوب أهلها الطيبين الذين عاشوا حياة تملؤها البساطة والمحبة بين "العشش" و"الزروب" (الجدران الخشبية التقليدية).
إشراقة الصباح ودفء البدايات
يسترجع الشاعر ذكريات الطفولة المبكرة، حينما كانت "عشة" والدته تضم أوانيها المعلقة بنظام واتزان مبهر. في تلك الأيام، كان الصباح يبدأ بمنظر النيران الصغيرة التي تُوقد في كل بيت، حيث يتحلق حولها الأهالي لـ "يتسقدوا" (يستدفئوا) في مشهد يعكس تلاحم المجتمع.
ومع تباشير الفجر، يبدأ إيقاع الحياة؛ فيغدو الراعي بنعاجه وكلبه الوفي نحو المراعي، واضعاً عصاه تحت ذراعه في مشهد يفيض بالرضا. أما الفلاح، فيمضي بـ "بُكْرة" الصباح بنشاط ومسرة نحو "الزَّهَب" (الحقل)، يحرث أرضه بـ "الضَّمَد" (ثوران يجران المحراث) بعزيمة لا تلين. وإذا ما اشتد به الجوع، جاءته زوجته بـ "الفَصوخ" (الفطور) اللذيذ، والذي لا يخلو من أكلات جازان الشهيرة كـ "المحشوش" المروّى بـ "الصليل" (دهن الشحم)، وخبز "الخمير" الأصيل.
سوق القرية.. قلب نابض بالحياة والتراث
لم يكن سوق القرية مجرد مكان للبيع والشراء، بل كان لوحة تنبض بالحياة، تتوزع فيها الأرجاء لعرض كنوز الصناعات المحلية والمنتجات الريفية:
ركن الحرف والزراعة: هنا تُباع مشغولات "الطُّفْي" (سعف النخل)، و"الرَّحولة" (ما يوضع على ظهر الحمار للركوب)، و"العِجار" (أوانٍ كبيرة من السعف لحفظ الحبوب).
ركن القهوة والأواني: يفوح عبق البن اليماني، وتصطف الأواني الفخارية التقليدية؛ من "الحواسي" لتقديم الطعام، و**"الجِرار" لحفظ الماء، و"الجِبان" لصنع القهوة، و"الجِغار" لطبخ اللحم والمرق.
ركن الزينة والكسوة: حيث تُعرض الملابس النسائية القديمة كـ "السُّدَر"، إلى جانب الحُلي والمصاغ.
ركن الغلال والمواشي: سوق كبير للحمير، وباعة يعرضون الحَب والشعير.
وفي تلك الأيام الآمنة، إذا ضاع شيء في "السوايح" (الحقول)، لم يكن الأمر يستدعي أكثر من منادٍ يصيح في الليل، يناشد ابن الحلال بإرجاع الضالة، وتكون "البشارة" (المكافأة) صاعاً من حَب أو ريالاً واحداً!
أفراح القرية: أهازيج المطر ومواسم الختان والزواج
كانت الطبيعة تشاركهم أفراحهم؛ فإذا دوّى الرعد في الأماسي، تعالت أصوات الأهالي بـ "الوالش" (أهازيج الفرح والابتهاج بالمطر والسيل). أما في المناسبات الاجتماعية كـ "الهَوْد" (مراسم الختان)، فتتحول القرية إلى عرس كبير. يتوافد الأهل، ويُزيّن المحتفى به بـ "الفل" والروائح العطرية، ويرتدي "المثلوث" (الوزرة)، ليرقص بالسيف بين أهله الكرام. وحين يأتي "المعلِّي" (المطهِّر)، تدوي الغطاريق في الأرجاء، ليطوف بعدها الطفل راقصاً بين بيوت أقاربه، وسط صخب الأغاني الشعبية وفرحة النساء والأطفال الذين يرددون أهازيجهم الخاصة واضعين "المصار" (غطاء الرأس) على رؤوسهم.
وعند الزواج، تتجلى زينة المرأة الجازانية؛ حيث تضع النباتات العطرية على رأسها فيما يُعرف بـ "التكعُّس"، وتتزين بالفل المنسق على صدرها. وتقوم الزوجة الأصيلة بطحن الحب، و"توشّي" (توقد) "الميفا" (التنور) لتجهيز الغداء، وإعداد العشاء من الدخن. وفي طقوس الزفة أو "النقول"، يُنثر الحب ويُفرش "المصناف" (لباس تقليدي) تحت أقدام العروس احتفاءً بقدومها.
روحانية رمضان ووداع الحجاج
أما شهر الصيام، فله في "أم الخشب" طعم آخر. يصوم الجميع ويقيمون الليل، وما إن تنتهي صلاة التراويح، حتى يبدأ عمل النساء في طحن الحبوب طوال الليل. دويّ رحى الطحن يملأ الأجواء استعداداً لصنع "الثريد" اللذيذ الذي يزين مائدة السحور. وفي مواسم الحج، يتجلى التلاحم الروحي حين يودع الأهالي قاصدي البيت الحرام بنشيد شجي ووداع حزين، مرددين أهازيجهم التراثية القديمة مثل "درِّهوا لي يا صبايا".
يقف الشاعر أحمد دهاس أمام هذه الذكريات التي تأبى النسيان، ولا تفارقه صباحاً ومساءً. يتذكر الفوانيس التي كانت تضيء جوانب المنازل وكأنها كواكب زاهية. بالنسبة له، لم تكن "أم الخشب" مجرد قرية، بل كانت منارة للحب والعشق، ودونها تبدو الدنيا ظلاماً. وينهي مقطوعته بتنهيدة حنين تلامس القلوب، متمنياً لو أن قريته الوادعة بقيت على بساطتها وصفائها، ولم ترتدِ يوماً ما "ثوب الحضارة" الذي سلبها الكثير من دفئها القديم.
مصدر: تعريف المصلحات والمعاني الواردة في القصيده الشاعر احمد دهاس .
بفلم : احمد يوسف
